كتب داود رمال في صحيفة "السفير":
تتواصل الحركة الأوروبية باتجاه لبنان وبوتيرة متزايدة، اذ لا يمضي وقت قصير على ذهاب موفد لدولة اوروبية فاعلة حتى يكون آخر قد حط رحاله في لبنان مستكشفاً ومحللاً وناصحاً، بما ينم عن خشية حقيقية من تأثيرات مباشرة ناجمة عن تطورات المنطقة قد تصيب لبنان، وعلى وجه التحديد من البوابة السورية التي تؤثر مباشرة على لبنان، "كون البلدين هما رئتان إلزاميتان ترفدان بعضهما البعض بأسباب الحياة في الأزمات الصعبة، والتجارب القريبة والبعيدة أثبتت ذلك، وهذا هو جوهر الموقف اللبناني من التطورات السورية".
الحركة الدبلوماسية المستمرة تجاه لبنان، تظهر حسب مصدر واسع الاطلاع، "إرباكاً أوروبياً مصحوباً بحذر بشأن مصير الاوضاع في العالم العربي، وبالتحديد في سوريا، ويتمثل ذلك، في عدم وجود إجابات لديهم عن مستقبل الاوضاع والتوجهات التي ستسود المرحلة المقبلة، وكأنهم يتركون الامور للوقت لكي تتظهّر حقيقة الصورة، من دون معرفة ما اذا كان ثمة رهان على بناء أنظمة تحفظ المصالح الاستراتيجية لدولهم ام ان خسائرهم ستزداد وتتعاظم؟".
ويقول المصدر الموثوق، الذي التقى احد الموفدين الاوروبيين مؤخراً في بيروت، "إن الاستنتاج السريع الذي يخلص اليه المرء بعد اللقاء، هو ان شيئاً لم يتغير في الموقف الاوروبي من الملفات الداخلية اللبنانية والملفات العربية، لا سيما السورية، فعلى صعيد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ما يزال التأكيد ذاته لجهة ضرورة الالتزام بالمحكمة ووجوب تمويلها، وهذا التأكيد يكون على الدوام مقروناً بنصيحة حمّالة اوجه مفادها ان على لبنان عدم الإخلال بالتزاماته الدولية تجاه الامم المتحدة والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن وكل ما ينبثق عنهما".
ويوضح المصدر "ان الحديث تناول ايضاً في حيز مهم منه، وضع "قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان"(اليونيفيل)، خصوصاً بعد العمليات الارهابية التي استهدفتهم، لا سيما القوة الفرنسية التي أثار استهدافها استياءً فرنسياً كبيراً ترجم برسائل وتحذيرات، وصولا الى اعتماد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لهجة عالية وإمساكه بهذا الملف مباشرة وشخصياً، غير ان الصورة اليوم مختلفة، فهناك ارتياح اوروبي للتعاون القائم بين "اليونيفيل" والجيش اللبناني، ولم تكن لهجة الموفد الاوروبي سلبية بعكس اللهجة التي اعتمدت عند تعرض اي من وحدات "اليونيفيل" لعمل ارهابي ولا سيما عندما استهدفت دورية فرنسية في تموز المنصرم، فالموفد كانت مقاربته للعلاقة افضل بكثير من السابق، وتحدث عن تعاون جدي مع الجيش اللبناني، مع تأكيده على ان المراجعة الاستراتيجية القائمة بين الجيش و"اليونيفيل" حيوية وجيدة، وتصب في خانة تعزيز وتوسيع دور الجيش في منطقة انتشار القوات الدولية، كما تؤدي الى تفادي حصول اي خلل في عمليات التنسيق والمؤازرة".
وأضاف المصدر: "إن حديث الموفد لم يخل من مقاربة للقضية الفلسطينية، اذ يبرز الشكوى الاوروبية المتعاظمة من أداء حكومة بنيامين نتنياهو على صعيد عملية السلام، لكن اللافت للانتباه في المقاربة المتجددة هو الربط الخبيث بين الحراك في العالم العربي ومستقبل عملية التسوية في المنطقة، عبر القول إن وضع عملية السلام في الشرق الأوسط سيكون افضل بعد التحولات العربية، في عملية مواءمة مشبوهة تخفي في طياتها تبرئة لإسرائيل من مسؤوليتها في افشال عملية التسوية، مما يعني المزيد من التعامي عن مواصلة اسرائيل عملية التهويد، لا سيما في القدس عبر اجتياحها بالمستوطنات، مع مواصلة عمليات القتل المنظمة للشعب الفلسطيني على مساحة فلسطين المحتلة".
وأشار المصدر الى ان "الوضع في العالم العربي ولا سيما الوضع السوري اخذ حيزاً من الحديث، اذ هناك تكرار للمواقف الاوروبية ذاتها من الحراك العربي، مع التأكيد ان لا حلّ مع النظام السوري، ويعتقد الأوروبيون أن النظام لن يصمد مع رفض الدخول بأي تسوية معه، والمؤسف انه لدى سؤال الموفد عن السبب لعدم التحاور مع النظام السوري فلا يوجد إجابة، وكل ما يقولونه ان رحيل النظام السوري امر مهم وله انعكاسات ايجابية كبرى، مع تجنب الخوض في الحديث عن البدائل".
ورأى المصدر "ان هناك مسؤولية كبيرة على جميع القيادات اللبنانية في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة، تفرض عليهم ان يدركوا خطورة ما يجري في المحيط وانعكاساته الحتمية على الداخل التي لا يمكن الحد من تأثيراتها السلبية إلا في الإسراع للاستجابة لدعوة الحوار الوطني المفتوحة من قبل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، من منطلق حماية لبنان والتأكيد على الثوابت الوطنية ورفض منطق الانقسام او العزل، وكون ان الحوار كفيل بتبريد الاجواء وخلق مساحات من التلاقي، خصوصا ان التجارب السابقة اظهرت كم ان المشتركات بين الأفرقاء كبيرة ولأنه يمكن التفاهم على تنظيم الخلاف حول المواضيع الشائكة تمهيدا لوضع حلول مقبولة لها".