المصالحة الفلسطينية تضيء على تجربة لبنان
عجز داخلي عن توظيف استقرار نسبي
في الوقت الذي كانت الانظار متوجهة الى اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي كان يفترض ان يقرر اجراءات في شأن الوضع السوري على وقع سقوط المزيد من القتلى في حركة الاحتجاج اليومية، كما هي مشدودة الى مصر التي انتفضت مجددا على المجلس العسكري، اعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل بدء شركة فلسطينية جديدة عقب اجتماعهما امس في القاهرة. واعلن كل منهما انهما سيعملان معا وفتحا صفحة جديدة في مشهد كان يفترض بلبنان ان يقوم به في غمرة إفادته من دروس ما يجري في الدول العربية اكثر من الفلسطينيين. اذ ان مسؤولين لبنانيين لم يخفوا ارتياحهم الى واقع استمرار تمتع لبنان باستقرار نسبي في ظل ما تشهده الدول العربية من انتفاضات وثورات شعبية وكونه يشكل نموذجا سياسيا من حيث ممارسة الديموقراطية والحرية السياسية. لكن هذا الارتياح لم يصل حدود توظيف ما يحصل في الدول العربية لمصلحة نبذ الخلافات بين اللبنانيين واعادة اللحمة بدلا من الانقسامات التي تشرذم المواطنين على غرار ما قام به الفلسطينيون علما ان المصالحة بين الطرفين الفلسطينيين كانت لافتة لدى حصولها قبل اشهر قليلة.
ومع ان الشركة الفلسطينية تحتاج الى بعض الوقت للتثبت من جديتها لئلا تكون مجرد مرحلة أملتها الاعتبارات والمصالح الراهنة، فان مسؤولين لبنانيين يقرون بعدم قدرة اللبنانيين في الوقت الحالي على الإقدام على مثل هذه الخطوة على رغم ما يطرحه البعض في بعض المجالس الخاصة. والدليل الابرز على ذلك عدم نجاح فكرة الحوار التي يطرحها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على رغم تشريح مراقبين للاسباب التي لا تسمح بمعاودة الحوار والتي تتصل منها بجدول اعمال الحوار او عدم نضوج وضع الاطراف بما يؤهلهم للتنازل وتثبيت الشركة الوطنية من جديد. اذ ان الوضع اللبناني يظهر حساسية شديدة حيال الوضع السوري خصوصا في ظل تحالفات مع النظام واخرى داعمة للشعب السوري في ظل مخاوف لا يستبعدها كثر من تداعيات للوضع السوري على لبنان. فهناك رأي من السياسيين المحايدين يرون مثلا ضرورة الاستعداد للمرحلة المقبلة التي تبدو واضحة المعالم في ضوء مجموعة مؤشرات من خلال محاولة تقديم مقاربة لـ"حزب الله" تساعده على ان يشكل جزءا من التوافق اللبناني ولا يبقى خارجه متى ادت التطورات السورية الى ما هو متوقع ان تؤدي اليه ولو بعد مدة قد تطول نسبيا عما حصل في بعض الدول العربية. فالحزب هو جزء لا يتجزأ من الواقع اللبناني وان كانت رهاناته المعلنة واضحة على النظام السوري وعلى ايران وفق ما يصرح مسؤولوه الكبار مما يجعله في موقع الخاسر متى سقط النظام السوري. وليس أدل على ذلك من إحراق أعلامه في مناطق سورية عدة رداً على مواقفه المعلنة من النظام.
وهناك آخرون يرون ان المبادرة يجب ان تأتي من الحزب باعتباره من يملك السلاح وهو القادر على المبادرة من حيث موقعه على رغم اعتقادهم بصعوبة ذلك وفي ضوء ما أعلنه الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير في يوم الشهيد الجمعة 11 تشرين الثاني الجاري. اذ ان هذا الخطاب في هذا اليوم بالتحديد الذي اراده تكريما لشهداء الحزب يتجاهل فيه على نحو واضح، وفق ما رأى متابعون معنيون، الشهداءَ الآخرين التي أنشئت المحكمة الدولية من اجل العدالة ومن اجلهم، ويصر على امرين لافتين غير الدفاع عن النظام السوري وايران هو اعتباره ان الحكومة هي حكومة تنوع في حين انها تقوم على فريق واحد بأفرقاء متعددين واعتباره ان الأونيسكو انصفت قوماً أي الفلسطينيين في حين ان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تعتدي على آخرين في رأيه، متجاهلا على نحو كلي لماذا أنشئت في الاساس وما كانت الاسباب لانشائها على نحو يعكس تجاهلا لمشاعر قسم كبير من اللبنانيين، في حين ان الحزب لم يكن في اي لحظة في واجهة الاتهامات بالاغتيالات التي حصلت لا لبنانيا ولا خارجيا بل كان النظام السوري ولا يزال في رأي كثر في انتظار اكتمال القرار الاتهامي.
ففي هذه المواقف كما في شأن رفض الاعتراف بالمحكمة بعد تطيير المصالحة التي كان يعد لها سابقا مع الرئيس سعد الحريري لا تظهر نية او رغبة في فتح صفحة جديدة حتى الان اقله من جانب الحزب. فيما يرى كثر ايضا ان النظام السوري لا يمكن ان يسمح راهنا بحصول اي مصالحة لبنانية – لبنانية مع اتهامه فريقا لبنانيا داعما للشعب السوري بأنه يساهم في تهريب الاسلحة الى سوريا. ومع ان موضوع تهريب السلاح قد يكون صحيحا نتيجة الحدود المفتوحة التي رفضت سوريا ضبطها بناء على طلب الامم المتحدة وبناء على طلب لبنان، وهو أمر تقرّ به منظمات دولية، الا ان هناك من يرى ان هذه الاتهامات تضخم حجم القدرة التسلحية لفريق لبنان في حين يعرف النظام السوري ان هذا الفريق لم يملك السلاح للدفاع عن نفسه في 7 أيار مثلا ازاء الهجوم الذي شنه الحزب على مراكزه ومنازل زعمائه ومسؤوليه.
وهذا الواقع لا يسمح بوصول اللبنانيين قريبا الى ما وصل اليه الفلسطينيون في هذه المرحلة.