درسنا في كتب التاريخ ونحن على مقاعد الدراسة أن حاكماً على جبل لبنان هو الأمير بشير الشهابي تولى الإمارة لفترة من الزمن وُصفت بأنها أكثر الحقبات عدالة وسُلطة وهيبة في جبل لبنان.
وذُكر في الكتب عينها أن المواطن، ذكراً كان أم أنثى، كان يعبر أراضي الإمارة من أقصاها الى أقصاها من دون أن يخاف من مجرم أو سارق، سواء كان الترحال نهاراً أو حتى ليلاً.
وكان ينعم مواطنو جبل لبنان بالطمأنينة والهدوء ليس لانعدام روح السوء لدى الأشرار بل لخوفهم من عدالة كانت محققة بواسطة حاكم ذي هيبة.
استرجعت ما قرأت عن تلك الأيام لدى سماعي آخر مآثر الشر المتمثلة بالاعتداء حتى الذبح على مواطنة لبنانية شابة نُحرت أثناء قيامها بالصلاة قرب منزلها في كسروان وعلى مرمى حجر من منازل أهلها والجيران.
أما الجاني فلم يردعه خوف من عقاب من قبل دولة ليست موجودة.
حتى إذا ألقي القبض عليه كما حصل معه ومع غيره من الجناة فسوف يمنّن النفس بعفو يصيبه مع المطلوب العفو عنهم من قبل أهالي السجناء الذين يقطعون الطرق ويهاجمون السجون ويقتحمون السرايا الحكومية لأن الأجهزة الأمنية تجرأت على القبض على أبنائهم المذنبين بترويج المخدرات والاغتصاب والتحرش الجنسي والسرقة…
وإذا لم يوفق الجاني بالاستحصال على عفو يُظفر به أهالي السجناء فربما يكون حظه أوفر مع زعماء سياسيين يدكّون يومياً أسوار العدالة والقضاء بالتشكيك والإذلال من خلال الاتهامات المتمادية للأجهزة الأمنية والقضائية بأنها تسعى للقبض على عملاء إسرائيل ومحاكمتهم من دون استئذان أولياء الأمر.
وإذا لم يوفق في هذه أو تلك فهو يراهن أيضاً على سقوط وانهيار العدالة الدولية الناظرة في جرائم اغتيال قادة لبنان الشرفاء الذي سقطوا وجبينهم عال، عال، يسخرون من أحياء جباههم معفرة بالعار.
حقق الأمير بشير الأمن والأمان والطمأنينة لمواطنيه لأنه طبّق القانون ولم يدع أحداً يفلت من العقاب على جرم اقترفه.
ولم يسمح لأحد أن يشاركه سلطة إحقاق الحق، فكانت حقبة هيبة الدولة قبل أن ينوجد مفهوم الدولة.
أين نحن اليوم مما ذكرناه؟
نعيش عصراً يُغتال فيه من يريد أن يبني دولة لكي يغتالوا الدولة. وتُمنع المحاكمة عن المجرمين الجناة وتُضرب مفاهيم العدالة وتحقيقها من خلال إسقاط أدواتها، وذلك من خلال اغتصاب السلطة والدولة والهيبة.