اذا كان من الواقعي معرفة حقيقة علاقة حزب الله بالرئيس نجيب ميقاتي، فالأصحّ أن تعرف هذه الحقيقة بلسان العماد ميشال عون الذي يتوَلّى بالنيابة عن الحزب قيادة معركة إسقاط تمويل المحكمة الدولية.
في كلام العماد ترجمة لموقف الحزب، وفي محاولات الرئيس نبيه برّي رَتق السجادة المثقوبة. توزيع للأدوار: برّي المفاوض وعون المدفعجي ونصرالله في مركز القيادة.
واذا كانت معركة ميقاتي أشبه بمحاولة التمسّك بورقة التوت، فإنّ معركة "حزب الله" لا تقلّ أهمية في قضية التمويل، فليس ميقاتي الوحيد الذي حشر في زاوية، الحزب أيضا محشور. وهو يعرف أكثر من حليفه عون بأنه، وفَورَ مرور التمويل في مجلس الوزراء بأيّ صيغة سواء التوائية او التفافية، فإنّ هذه الخطوة ستعني أنّ "حزب الله" وافق على التمويل، وانه خسر مشروعية عدم الاعتراف بالمحكمة، لأنّ هذا التمويل مَرّ عبر حكومة يسيطر فيها على الأغلبية.
من هذه الزاوية، فإنّ محاولة الرئيس نبيه بري إقناع "حزب الله" بالموافقة على التمويل التفافيّا، ستجد صعوبة كبيرة في الموافقة عليها، ليس لأنّ الحزب لا يريد إبقاء ورقة التوت لـ ميقاتي، بل لأنه بَنى مَساراً تصاعدياً يصعب عليه التراجع عنه. بل، وهذا هو الأخطر، لأنه يعرف أنّ الموافقة على التمويل، ستعني أنّ كل ما بَناه الحزب من محاولات لدَكّ شرعية المحكمة لم يكن سوى مجسّمات كرتونية. وقد يصبح عندها، على سبيل المثال لا الحصر، ملف ما سَمّاه الحزب الشهود الزور شيئا مَنسيّاً، هذا اذا لم يصبح مَدعاة للسخرية، اذ ان هذا الملف، الذي كان الذريعة لإسقاط حكومة سعد الحريري، طوَته حكومة ميقاتي و"حزب الله" في الأدراج. ولم تكتف بذلك، بل قامت بتمويل هذه المحكمة الدولية، لا بل إنها استمرّت لفظيّاً بإبداء أقصى إشارات الايجابية في التعاون مع المحكمة، لاعتقال الأسماء المتهمة باغتيال الحريري.
التمويل سيعني حتما الاعتراف بالمحكمة، وهو ما سيعطي رئيس الحكومة جرعة من الاوكسيجين، ولكنه سيضع "حزب الله" في مأزق التناقض الفاضح. فمن يمتلك الاغلبية في حكومة تموّل المحكمة، لن يتمكن بعد ذلك من اتهامها بأنها اسرائيلية، ولن يتمكن ايضا من معارضة تجديد بروتوكول التعاون مع المحكمة في آذار المقبل.
من هنا يمكن فَهم قرار رئيس الحكومة بحَشر "حزب الله" عبر تحديد موعد جلسة التمويل. ومن هنا ايضا، يمكن رصد الاتهامات المبطنة لـ ميقاتي من حلفائه بأنه يَستَقوي بالضغط الدولي والعربي الذي يمارس عليه لتحسين شروطه، ومن هنا يمكن توَقّع وصول حكومة ميقاتي الى لحظة الحقيقة، حيث سيختار "حزب الله" بين التمويل أو بقاء الحكومة، ولكلّ من الخيارين كلفته ونتائجه.
في الخيار الأول، يمكن قراءة كسب مؤقت لرئيس الحكومة، وهزيمة سياسية للحزب وللعماد عون. أمّا في الخيار الثاني، فإنّ عدم التمويل سيجعل من حكومة ميقاتي حكومة لتصريف الاعمال، ربما يكون الحزب استعدّ للتعامل معها على قاعدة استمرارها الى العام 2013، والاستعداد لتكرار تطبيق خطة طوارئ القمصان السود لتعطيل تشكيل حكومة جديدة لـ 14 آذار، إذا ما قَرّر النائب وليد جنبلاط تغيير موقعه.
لم يؤجّل الرئيس نجيب ميقاتي جلسة مجلس الوزراء اليوم فقط للإفساح في المجال أمام جهود الرئيس نبيه بري، لكنه أجّلَ قراره بالاستقالة إذا سقط التمويل. فهو أوّلا، لا يريد ان يزور الفاتيكان كرئيس حكومة تصريف أعمال، وثانيا، يريد استنفاد المهلة الدولية التي أعطيت له لإنجاز التمويل حتى النهاية، وهذا الاستنفاد لن يطول، لأنّ ميقاتي يعرف انه وصل الى المفترق الحاسم، اذ لا تنفعه سِعة الاطلاع الدولية ليدرك ما هي مخاطر تحَمّل مسؤولية رئاسة حكومة تمتنع عن التعاون مع محكمة صادرة بقرار عن مجلس الأمن الدولي.