كتبت رلى موفّق في صحيفة "اللواء":
في منطق المحيطين برئيس الحكومة نجيب ميقاتي، أن الرجل أخّر طرح استحقاق تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بقدر استطاعته، في إطار لعبة كسب الوقت، والاتكاء على إمكانية أن تؤول الاتصالات الخلفية إلى إيجاد مخرج لا يضع لبنان في مواجهة المجتمع الدولي، ولا يُحرج "حزب الله" الذي وجّه القرار الاتهامي لعناصر منتمية إليه تهمة ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ورغم إرسال <حزب الله> إشارات متعددة رافضة للتمويل، فإن ميقاتي بقي متفائلاً بأن اتصالات ربع الساعة الأخير قد تنجح في تغيير موقف الحزب. ورهانه ينطلق من اقتناعه بأن حليفه الإقليمي الرئيس السوري بشّار الأسد سيعمل على الضغط في اتجاه تمرير تمويل المحكمة لأسباب عدّة، منها ما يتعلق بالحرص على عدم حرق ورقة رئيس الحكومة في بيئتيه السنيّة والطرابلسية، بل على العكس تعزيز موقعه في مواجهة الحالة الحريرية، ولا سيما أن طموح ميقاتي منذ عودته إلى سدة الرئاسة الثالثة، كما حلفاؤه، يكمن في العودة إلى واقع التعددية التي كادت سائدة في قلب الطائفة السنية قبل أن تُطل ظاهرة الحريري الأب في التسعينات من القرن الماضي، وتحوّله إلى الزعيم الأول، إنْ لم يكن الأوحد ضمن طائفته، والسياسي الأبرز والأفعل على المستوى الوطني.
والرهان الميقاتي على الحليف السوري كان يستند حتى أسابيع ماضية إلى معطيات قوية بأن أولوية الأسد هي ضمان بقاء الحكومة اللبنانية الحليفة له، وأن مسألة تمويل المحكمة لم تعد بالنسبة إليه في المرتبة الأولى، ولا سيما أنه يدرك أن المحكمة ستُكمل مسارها، سواء دفع لبنان متوجباته المالية أو لم يدفعها، وبالتالي فإن عدم التمويل سيؤدي إلى زعزعة الحكومة من دون أن يُوقف عمل المحكمة.
وقد أسرّ الأسد أمام من التقاهم من شخصيات لبنانية سابقاً أن أولويته هي بقاء الحكومة في لبنان بمنأى عن الضغوطات الدولية كمتنفس، خصوصاً أن الضغوطات سوف تشتدّ على النظام السوري.
غير أن هذا الرهان تسوده اليوم حالة ضبابية، إذ مع الإعلان أن ملف التمويل سُحب من أدراج وزارة المال، وسيكون على طاولة مجلس الوزراء في الثلاثين من الشهر الجاري، تكثفت الاتصالات البعيدة عن الأضواء في غير اتجاه، ومنها في اتجاه دمشق. لكن الأصداء الإيجابية السابقة، التي كانت ترد من هنا وهناك، طغت عليها حال من التجاهل والقفز فوق الموضوع، مما فتح باب التكهنات عما إذا كان هناك تحوّل في الموقف السوري، مرده إلى أن المحيطين برئيس الحكومة لديهم قناعة بأن التركيبة الوزارية في باطنها السياسي تضم 12 وزيراً لقوى الثامن من آذار، و12 وزيراً في الكتلة الوسطية و6 وزراء محسوبين بالمباشر على سوريا. وهذا يثير التساؤلات في المجالس الميقاتية حول ما إذا كان بقاء الحكومة الراهنة لا يزال أولوية فعلية لسوريا، أم أن أولوية دمشق باتت، مع اشتداد الطوق عليها، في تثبيت قوة "حزب الله" السياسية داخلياً بوصفه الحليف الاستراتيجي اللبناني القادر على الذود عنها في مواجهة الضغوطات التي تواجهها والمرشحة إلى التصاعد في قابل الأسابيع؟.
ففي قراءة هؤلاء، أن دمشق تُدرك تمام الإدراك بأن ميقاتي وحكومته ليس بمقدورهما أن يمنعا سقوط النظام إذا ما آل القرار الدولي إلى ذلك، وهي بالتالي ستسعى إلى الالتصاق أكثر بإيران و"حزب الله" الذي سبق أن أبلغ القيادة السورية عدم قدرته سياسياً على تغطية تمويل المحكمة التي تستهدفه أو الدخول في صفقة مع القضاء الدولي الساعي في نهاية الأمر للنيل من الأمين العام للحزب. الأمر الذي يعني عملياً أن هامش كسب الوقت قد ضاق ليس فقط أمام ميقاتي، بل أيضاً أمام "حزب الله" الذي – وفقاً لعالمين بدوائره – أخذ في الحسبان منذ أن رسى خياره على ميقاتي، احتمال استقالة الأخير على خلفية ملف التمويل. وهو يدرك أهمية إراحة ميقاتي في محيطه السنيّ وتأمين بقاء الحكومة، من خلال عدم إحراجه في ملفات عدّة، لكن لا يمكنه أن يُجاريه في التمويل لضمان الحكومة، وليس لديه تالياً مشكلة في استقالة الحكومة وتحوّلها إلى حكومة تصريف أعمال، حتى لو طال أمدها.
وإزاء بدء العد العكسي، مع استنفاد لبنان المهلة الدولية للإيفاء بالتزامه قبل أن يرفع الأمين العام للأمم المتحدة تقريره إلى مجلس الأمن في الخامس عشر من كانون الأول، فإن نقاشاً يدور في كواليس رئيس الحكومة مفاده أنه ليس في وارد تحمل وزر انكشاف لبنان أمام المجتمع الدولي جرّاء عدم الوفاء بالتزاماته. وإذا كان "حزب الله" يراهن أن المجتمع الدولي سوف يهضم مسألة عدم التمويل مقابل حاجته إلى بقاء الساحة اللبنانية على استقرارها، في ظل الانشغال الدولي بتداعيات الثورات العربية وتحديات الانسحاب الأميركي من العراق والملف النووي الإيراني، فإن ميقاتي يدرك أن الغضب الدولي وحده كفيل في تدفيع لبنان فاتورة استعصائه على الإرادة الدولية. وهو تالياً ينتظر من أصحاب الحل والربط الدوليين أن يوفّروا غطاءً سياسياً له إذا كان المجتمع الدولي مقتنع بأهمية بقاء حال الاستقرار في لبنان، وعدم تعريضه لاهتزازات داخلية أو ارتدادات الأزمة السورية. وفُهم من الكواليس الميقاتية أن اتصالات تجري مع مراكز القرار لاستمزاج إمكانية صوغ مخرج بغطاء دولي قوامه تمديد فترة السماح للبنان، على أقله حتى آذار، موعد بحث بروتوكول التعاون بين المحكمة ولبنان• على أن تظهر نتائج هذه الاتصالات من مسار التطورات في جلسة الثلاثين من الشهر. فسقوط التمويل في التصويت يعني فشل المساعي الجارية على المستوى الدولي. أما إرجاء بحث ملف التمويل فمن شأنه أن يحمل دلالة ما على أن المجتمع الدولي حاضر لاستيعاب نكث لبنان بالتزاماته نظراً إلى الحاجة للاستقرار فيه، مما يعني إبعاد سيف العقوبات الدولية والعزلة عنه إلى موعد جديد يتلاءم مع متطلبات السيناريو الدولي في ما خص المنطقة.