كتبت ناتالي إقليموس في صحيفة "الجمهورية": يهزّ رأسه، يرفع حاجبيه، يومئ بيديه… إحتار المراقبون في لغة جسده واختلفوا في تفسير إيماءاته، إلّا أنّهم اتّفقوا على "أنّ تعدّد إيماءاته لا ينسحب على مواقفه، فهو من السياسيّين القلائل الذين لا يبدّلون مواقعهم، بل يتمسّكون بمواقفهم السياسيّة، ولا يتخلّون عن اقتناعاتهم وثوابتهم الوطنيّة".
لغة مربكة ولكن…
تعتبر الاختصاصيّة في علم النفس الاجتماعي الدكتورة ليلى شحرور أنّ لغة جسد رئيس حزب "القوّات اللبنانية" سمير جعجع "محيّرة، مربكة، تحكمها العشوائيّة، على نحو قد يكون للكلمة الواحدة أكثر من إشارة، على سبيل المثال قد يهزّ رأسه ويرفع يده ويحرّك الأُخرى وهو يكرّر أكيد.. أكيد.. أكيد..".
وقبل أن تغوص شحرور في لغة وجه جعجع، تتوقّف عند صوته "الجهوري"، قائلة: "في صوته شُحنة عاطفيّة كبيرة تُضفي حدّة على خطاباته وتضخّ حماسة في صفوف قاعدته الشعبيّة، حتى إنّ "الكاريزما" لديه قد تطاول عدداً من المتلقّين الذين لا يشاطرونه آراءه السياسيّة، ولو أنّه أحيانا يرفع نبرته في أوقات لا تستدعي ذلك". إلّا أنّ شحرور تعتبر ذلك غير كافٍ لضمان إيصال الرسالة، "فلا بدّ من أن تتجانس نغمة الصوت ولغة الجسد".
أمّا بالنسبة إلى طريقة جلوسه، فتلفت شحرور إلى وضعيّة جعجع المتكرّرة، خصوصاً أثناء استقباله الزوّار والموفدين السياسيّين، فتقول: "نادراً ما يلامس ظهره الكرسيّ، فهو يتّكئ على كوعيه، وكأنّه في حالة من التأهّب الدائم، والجهوزيّة، وقد يشير ذلك إلى وجود كَمّ هائل من الضغوط الداخلية التي تضعه في حال من التوتّر والقلق والافتقار إلى الطمأنينة". وتضيف: "الإطباق بين كوعه وذراعه يشير إلى نوع من الانغلاق، قد يكون ناتجاً من تعب في سماء فكره ومحاولة لكتمها أو إخفائها، لذا عن طريق اللاوعي يقوم بالإطباق".
إيماءات مزدوجة الأبعاد
وفي جولة بانوراميّة على لغة جسده، تجد شحرور "أنّ إيماءات "الحكيم" تشكّل سيفاً ذا حدّين، فمن جهة تغرس في نفوس محبّيه الطمأنينة والقوّة والثقة بالمرحلة المقبلة، وفي المقابل قد يصفها الآخرون بإيماءات السلاح، خصوصاً حين يُحرّك يده كفأس قاطعة، أو يرفع إصبعه مهدّدا، وكأنّه يقول ممنوع العودة إلى الوراء".
وفي تحليلها لملامح وجهه، تنطلق شحرور من حاجبَي جعجع فتقول: "للوهلة الاولى قد يبدو للمتلقّي أنّ الحكيم يرفع حاجبيه على نحو مستمرّ، إلّا أنّه لا يفعل في الحقيقة ذلك، فحاجباه في الأساس مرتفعان وانتهائيّان، ما يعني أنّ لدى صاحبها نوعا من الممانعة قبل البدء بمشروع جديد، نتيجة درايته المسبقة بما ينتظره، لذا قد يتردّد قبل الغوص في عمل جديد. لكن ما إن يشرع في العمل حتى تتدفق لديه الافكار والاعمال، على نحو بارع". وتضيف: "يعكس حاجبا الحكيم قوّة فكريّة متقدّمة، سرّية عالية، وعاطفة حسّاسة تخوّله كشف مشاعر الآخرين".
أمّا عن زاوية الحاجب، فتقول: "تظهر سرعة بديهة في تغيير مجرى الحديث، ومتعة لديه في المجابهة، قد تصل في بعض الأحيان إلى حدّ الترهيب."
وتضيف شحرور: "أصحاب هذه الحواجب يحتفظون بعدد كبير من الأفكار لأنفسهم، وقد يخفونها عن أقرب المقرّبين، ففكرة البوح ترعبه، ومن ضمن استراتيجيته، "أسرارك نقطة ضعفك"، لذا فإنّ التحفّظ هو من سماته". وعن شعيراته الجامحة في نهاية حاجبيه، تعلّق قائلة: "قد تعكس أفكاراً وأفعالاً جامحة أو إبداعية مفرطة".
وتنتقل شحرور إلى عيني جعجع، "اللتين تظهران طبيعته الشغوفة في متابعة القضايا الكبرى"، قائلة: "لا تلفته المسائل الوسطى العاديّة كونها لا تحمل إليه الإنجازات والتمايز، فيسعى خلف القضايا الكبرى، ولو أنّها قد تتطلّب منه جهدا أكبر، هو غير مستعدّ للتراجع عنها، بل يمعن التحليل في "الشاردة والواردة" ولا يتردّد في التحوّل إلى ناقد لاذع، فمن أصعب الأمور عنده أن يأخذ القضايا على بساطتها". وتضيف: "تؤكّد حركة رموشه استعداده الدائم للتفاعل، سواء في حالات الغضب أو الابتهاج".
لا مجال للتفاوض…
وتعليقاً على حركة تقليص وتكبير البؤبؤين غير الثابتة عند جعجع، تشير شحرور إلى "أنّ هذه التغيّرات تنمّ عن سرّية تامّة، وعن عدم قابليّة صاحبها للتفاوض في مجال قناعاته".
أمّا عن "تدويرة" عينيه، فتقول شحرور: "في عمق جفونه نرى تمسّكه الشديد بالحياة، أمّا تدويرة عينيه فتعكس إفراطا في العاطفة وسرعة تأثّر في المسائل العاطفيّة. كما أنّ صاحبهما قد يبحث عن ذاته في الآخرين، إلّا أنّه لا يتعاون مع أشخاص مستنزفين لا يملكون ما يضيفونه". وتلفت إلى أنّ جعجع "بمقدار ما هو سرّي وحدسي في حياته الاجتماعية والعمليّة، إلّا أنّه في الحياة الزوجيّة حنون، غيور، يحب إظهار الغيرة وروح التملّك للآخر. يطلب القرب العاطفي ويمنحه في الوقت عينه، كما أنّه قد يعتمد على رأي الشريك في انتقاء ملابسه".
وتشير شحرور إلى موهبة "الحكيم" في التخطيط الدقيق والمفصّل، قائلة: "أصحاب الأنف الطويل يولون أهمّية كبيرة للحياة العمليّة، فيحرصون على الاهتمام بأدقّ تفاصيلها والظهور في موقع التميّز عن الآخرين، وحتّى مصدر إلهام لهُم، وأحيانا مصدر رزقهم، لذا يجدون أنفسهم في سباق دائم مع الزمن، وسرعان ما يتذمّرون ما لم يحالفهم الحظ".
وفي موازاة ذلك، تلفت شحرور إلى أنّ "أصحاب الأنوف الطويلة تمتلكهم نزعة الإنفاق المجاذف، وهم نادراً ما يتعلّمون من أخطائهم، فيكرّرونها بصورة مختلفة نظراً إلى عمق إيمانهم بقدرتهم الذاتيّة".
وتنتقل شحرور إلى أذنَي جعجع، قائلة: "تُظهران رغبة عالية في التشبّع بالمعلومات والاستماع الدقيق، ومن الواضح أنّه يهوى الإصغاء إلى الآخرين، إلّا أنّه يتمتّع بقدرة عالية على التحكّم بهذه السمة على نحو أنّه يمارس، ليس فقط نوعا من الانتقائيّة، بل درجة متقدّمة من المزاجيّة لما يرغب في سماعه". وتضيف: "مَن تبدو أذناه مرتفعتان، فهو عاطفيّ غيور، يفقد صبره سريعاً، وتبرز عنده حاجة ملحّة الى الآخر لكي يفهمه ".
عاطفة مخبّأة
وتؤكّد شحرور وجود "عاطفة مخبّأة عند جعجع"، قائلة: "تغلب الدائرة الداخلية في أذنه، ما يعني أنّ الحكيم عميق الإحساس وسريع الغضب في آن معا، يدرك أهمّية الأحداث في حياته، لذا يعتمد على حدسه ويهنّئ نفسه أو يعظها بعد تحقيقه أيّ مشروع، ما يجعله غالباً منهمكا بشؤونه وبالحقيقة التي يُلبِسها تفسيراته الذاتيّة".
أمّا بالنسبة إلى فسحة خدّيه، فترى شحرور "أنّها تعكس شجاعة وقوّة لدى صاحبها تزداد مع الزمن، ولكن بالتزامن مع ارتفاع نسبة الشكوك لديه ما يعرّضه إلى مشاكل".
في هذا الإطار، تتوقّف شحرور عند حبّ جعجع للمخاطرة والنهوض من المحنة، قائلة: "أصحاب الذقن الطويلة يميلون إلى المخاطرة الجسديّة، ويُظهرون شجاعة ومثابرة، كما أنّ الأفكار النظريّة تأسرهم فيستخدمونها أداة لحاجتهم الى الحفاظ على السيطرة وعلى ما حقّقوه".
أمّا عن ابتسامته، فتجد شحرور أنّها غالبا ما تنمّ عن ازدراء، قائلة: "إبتسامته تناقض ما تعكسه الأسنان، وتخفي خلفها ازدراء. لكنّ هذا لا يعني أنّ "الحكيم" لا يجيد التبسُّم، ولكن غالبا ما يحمّل ابتساماته معاني نتيجة تراكمات الماضي وعدم ثقته بالآخرين".
عيّنة من الإيماءات
وعن تفسيرها لعدد من إيماءاته، تتوقّف شحرور عند هزّ جعجع لرأسه، فتقول: "الهزّ الأُفقي والعمودي يعني شعوره بالإحباط، وعدم الانسجام، الذي قد يكون ناتجا من عدم التزام الآخرين وتعاونهم".
وعن حركة يده، تعتبر شحرور أنّ جعجع "غالباً ما يحرّكها بعشوائيّة"، قائلة: "وفق علم لغة الجسد، حركة الفأس القاطعة تعكس فرض رأيه الشخصيّ، انطلاقا من اعتقاده بأنّه الأصحّ وعلى المتلقّي أن يطيع". وتضيف: "أمّا حركة توجيه اليد نحو الأرض، فتعكس شعورا متيقّناً بوجود ذخيرة بالغة الأهمّية لديه تخوّله تنفيذ الأمر. ولكن حين يُطلق إحدى اليدين فإنّه يفقد هذه القدرة وتتحوّل لغته ضعيفة، وبالتالي يفقد جزءاً مهمّا في مركز التواصل مع نفسه ومع الآخرين".
وعن المساحة الواسعة التي تفصل حركة يديه، تقول شحرور: "مجال الحركة يتعدّى المساحة المسموح بها، ووفق علم الحركة يُعتبر ذلك بمثابة تَعَدٍّ على الآخرين وتخَطّ للحدود، وقد تدلّ على الشعور بالتململ ورغبة قويّة في أن يتفهّمه الآخرون".
التمرّس أمام المرآة، التخفيف من إيماءات اليد، وهزّ الرأس، 3 خطوات رئيسيّة تعتبرها شحرور أساسيّة "في إمكانها مساعدة جعجع على الاقتراب من لغة جسد حكيمة".