كتبت رحاب أبو الحسن في "اللواء": وضع الرئيس نجيب ميقاتي حدا لكل التأويلات في شأن استقالته، وأعلن بشكل صريح وواضح "باستقالتي سأحمي لبنان"، في معرض حديثه عن الخطوة التي يمكن أن يلجأ إليها في حال سقط بند تمويل المحكمة الدولية على طاولة مجلس الوزراء.
لكنّ ميقاتي على قناعة أنّ هذا البند لن يسقط، لأن التمويل هو بمثابة بوليصة تأمين للبنان "وبالتمويل نحمي لبنان ونقوّي المقاومة" كما قال.
اضافة الى مراهنته على "وعي" و"إدراك" شركائه في الحكومة، وهو حسم أنّ هناك 12 وزيراً يؤيدون التمويل، ويحتاج الى خمسة آخرين للفوز بالتصويت في مجلس الوزراء اذا حصل.
كلمات قليلة أطلقها ميقاتي، لكنها كانت بمثابة صرخة خص بها الوزراء في حكومته عنوانها "تحملوا مسؤوليتكم" وأن موضوع تمويل المحكمة جدي جدا ولا يجوز التهاون معه.
وشكّلت صرخة الرئيس ميقاتي للوزراء إشارة لدى المراقبين السياسيين الى أنه يبحث عن مخرج لتأمين التمويل للمحكمة من خلال تأمين أصوات ترجّح فوز قرار التمويل في حال حصول تصويت في مجلس الوزراء.
وبدا للمراقبين أنه يحاول بصرخته للوزراء اختراق الجبهة الرافضة للتمويل، وهو في المقابلة التلفزيونية لم يكشف عن حقيقة ما يفكر فيه، لكن المراقبين لاحظوا أن المقصود بهذا الكلام هم خمسة أو ستة وزراء وهم وزيرا حزب الطاشناق فريج صابونجيان (وزير الزراعة)، وبانوس مانجيان (وزير الدولة)، وزير تيار المردة سليم كرم (وزير دولة)، ووزير الحزب الديمقراطي اللبناني مروان خير الدين (وزير دولة)، والوزير فيصل كرامي (وزير الشباب والرياضة)، ويمكن أن يصبحوا ستة اذا أضيف اليهم الوزير فايز غصن (وزير الدفاع).
لكن السؤال الذي يطرح هل يشكّل هؤلاء الوزراء حالة الوزير الملك في جلسة 30 تشرين الأول ؟.
والمعروف أنه عند كل أزمة في لبنان يجري البحث عن هذا "الوزير الملك" وقليلا ما جادت فكرة الوزير الملك بالنتيجة التي يطمح اليها طامحوه، فهل تنجح هذه المرة؟.
في قراءة لواقع الوزراء المعنيين بأن يكونوا "ملوك جلسة 30 تشرين الثاني" يشير المراقبين فيما خص وزراء الطاشناق الى أن هذا الحزب معروف أنه دائما كان مواليا للسلطة، ولم يشذ عن هذه القاعدة الا بعد عودة النائب ميشال عون من المنفى.
لكن المراقبين يرون أن التحالف بين الطاشناق وعون، كان تحالفا سياسيا وجد ترجمته على الأرض من خلال الانتخابات، من دون أن يعني ذلك حال الطلاق مع الدولة، وإن اضطر في بعض المناسبات بأن يسير ضد الدولة من خلال مواجهة النائب ميشال المر في الانتخابات النيابية. ومؤخرا يلاحظ أن الطاشناق بدأ يعيد حساباته ويقترب من الدولة من خلال الرئيس ميشال سليمان، الأمر الذي يرجح احتمال أن ينضم وزيرا الطاشناق الى مؤيدي تمويل المحكمة.
وما عزز هذا الموقف هو الخلاف الناشىء بين عون وحلفائه والاتصالات الجارية بينهم على أكثر من صعيد لترتيب الموقف من مسألة التمويل، ويعتبر أن خطوة وزراء "عون" الاستقالة من الحكومة قبل جلسة 30 تشرين الثاني تصب ضمن اطار التخوّف من انقلاب معادلة التصويت على التمويل.
أما بالنسبة للوزير سليم كرم، فالمعروف أنه يشكل حالة سياسية متميزة عن النائب سليمان فرنجية في زغزتا وان خاض الانتخابات على لائحته.
اذ يعتبر كرم من سلالة البطل "سليم بك كرم" الذي خاض معارك ضد العثمانيين في القرن التاسع عشر وله نصب تذكاري في زغرتا مازال قائما حتى الساعة، كما أن عائلة كرم هي من كبرى عائلات زغرتا، وكانت على تحالف دائم مع عائلة فرنجية، من دون أن تذوب في أطيافها، وظلت تشكل حالة سياسية متمايزة، يضاف الى ذلك أن النائب سليمان فرنجية يعتبر من أقرب السياسيين اللبنانيين الى سوريا ولطالما شكّل موقفه من التطورات السياسية في لبنان انعكاسا للمواقف السورية. وهنا يعتقد المراقبون أن دمشق حتى الساعة غير مطمئنة الى احتمال حدوث فوضى لبنانية تنجم عن استقالة ميقاتي أو رفض مجلس الوزراء تمويل المحكمة، لكنها بطبيعة الحال لا تستطيع أن تفرض موقفها على "حزب الله" الذى بات أقرب الى أن يكون حالة ايرانية من كونه حالة سوريا.
من هنا يعتبر المراقبون أن موقف فرنجية من تمويل المحكمة سيشكل مؤشرا سوريا مهما في هذا الاطار، وبالتأكيد فإنه لا يستطيع أن يرفض تمويل المحكمة حتى لا يقال أن سوريا وراء الفوضى في لبنان. ولهذا فإن الاعتقاد يميل الى أن فرنجية سيؤيد في نهاية المطاف تمويل المحكمة من خلال وزيريه سليم كرم وفايز غصن.
وفيما خص الوزير مروان خير الدين، فإن الحالة الدرزيةالتي يشكلها تكاد تكون حالة فريدة، على اعتبار أنه جاء الى الحكومة بإسم المير طلال ارسلان الحليف الصادق "لحزب الله".
واذا كان من هذه الزاوية مستبعد أن يؤيد تمويل المحكمة، الا أن الاعتبارات الدرزية الخالصة تدفع المراقبين الى أن يميلوا الى الاعتقاد بإمكانية أن يتجاوز الوزير خير الدين حالة الصداقة مع "حزب الله" انطلاقا من المصلحة الدرزية المشتركة التي تجمع طلال ارسلان بوليد جنبلاط، فالمعروف أن وزراء جبهة النضال الوطني هم مع تمويل المحكمة ويلوحون حتى بإستقالتهم من الحكومة سواء استقال ميقاتي أم لم يستقل، علما أن جنبلاط ينطلق في خوفه من أن عدم تمويل المحكمة سيؤدي الى حالة من اللااستقرار في لبنان وربما الى فتنة سنية-شيعية يكون الدروز وقودا لها، ولكي يتجنب الدروز هذه الكأس المرّة فيمكن لأرسلان أن يماشي جنبلاط في هذا المنحى وينضم الى مؤيدي تمويل المحكمة الدولية حماية للاستقرار على حد تعبير ميقاتي.
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للوزير فيصل كرامي. وهو الوزير الآتي الى جنة الحكم بتوصية من "حزب الله"، فإن الاعتقاد السائد أنه في النهاية سيتجاوز حلفه مع "حزب الله" في هذه المسألة لكي لا يشكل موقفه بعدم تمويل المحكمة إحراجا له أمام مدينته وطائفته التي تجمع كلها على تزييد المحكمة، وبالتالي فإن خروجه على هذا التأييد قد يرتد عليه سلبا وعلى مستقبله السياسي.
أما فيما يتعلق بوزراء الجبهة المؤيدة للتمويل وعددهم 12 فهم بدورهم يراهنون على حس المسؤولية لدى زملائهم لإخراج البلاد من حالة التأزم وانقاذ الحكومة من الإنفراط وادخال البلاد في حالة فراغ سياسي ستؤدي الى ازدياد حالة الانقسام بين اللبنانيين وقد تؤدي الى انهيار السلم الأهلي، وهو الأمر الذين لن يرضى أن يتحمل وزره أي من الأطراف الحليفة "لحزب الله"، ومن هنا يراهن المراقبون على الوزراء "الملوك" الخمسة لتغيير المعادلة التي ستتيح تصويت 17وزيرا الى جانب التمويل أي النصف+2، علما أن رئيس الحكومة يحتاج الى تأييد 16وزيرا ليخرج لبنان من أزمة التمويل مقابل13 هم وزراء "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" وحركة "امل".
وميقاتي الذي حيّد "حزب الله" من التصويت من خلال إعلانه تفهمه لموقفه من المحكمة الدولية، فإنه يراهن على وعي "حزب الله" لخطورة الموقف اللبناني من عدم التمويل، والاستجابة الى مطلبه "بغض الطرف" أو كما يقال بالعامية "قبة باط" لحلفائه في مجلس الوزراء للسير بعملية التمويل والانتهاء من هذه المسألة، لا سيما وأن التمويل وفقا لما قاله ميقاتي سيؤمن حماية للمقاومة.
وعليه يرى المراقبون أن هذا الأمر سيعزز القناعة بأن اعلان ميقاتي عزمه على الإستقالة مناورة.