الرئة العراقية كما اللبنانية حيوية لسوريا
أي تغيير "جذري" بعد الانسحاب الأميركي؟
هل يشكل انسحاب القوات الأميركية من العراق رهانا على احتمال تبدّل الأوضاع القائمة في المنطقة وتبدّل موازين القوى خصوصا ما يتصل بالوضع السوري والموقف من النظام؟
يتم تداول موضوع الانسحاب الاميركي المرتقب نهاية السنة الجارية من العراق على انه العامل الأبرز الذي سيدخل تغييرا جذريا في مسار المنطقة المستمر منذ بضعة اشهر. وفي خلفية هذا التداول من يعتقد ان ثمة آمالا يعلقها النظام السوري على هذا الانسحاب من زاوية احتمال توظيف الوضع الجديد في العراق لمصلحته بعد مطلع السنة الجديدة وتغير الوضع على الارض في العراق انطلاقا من واقع ان هذا الوضع شديد التأثر بالنفوذ الايراني الداعم لهذا النظام. وهذا يعني عمليا احتمال ممارسة ضغوط داخلية على حكومة نوري المالكي من اجل فتح الحدود أمام سوريا لتخفيف الضغوط الاقتصادية عليها وربما مرور المساعدات الايرانية العسكرية والمادية على نحو اكبر مما يحصل راهنا. ويستند هؤلاء الى الموقف الذي أعلنه الزعيم العراقي مقتدى الصدر لجهة ضرورة الابقاء على الرئيس بشار الاسد في السلطة في مقابل اعلانه دعم الثورة الشعبية في سوريا. ولا يبدو ان هذا الاحتمال يتم تجاهله كليا من الدوائر الديبلوماسية الغربية المعنية. الا انها لا تبدي قلقا في هذا الاطار على رغم الاقرار بأن ايران التي لا يمكن نفي وجود نفوذ لها في العراق ستحاول ممارسة نفوذ اكبر على حكومة المالكي. اذ ان في حسابات هؤلاء ان هناك مصالح مباشرة للعراق من اجل محاولة تدعيم استقلاله واستعادة سيادته بعد انسحاب القوات الاميركية يتجاوز بكثير الرغبة او القدرة على التجاوب مع الضغوط الإيرانية حتى لو اراد المسؤولون العراقيون ذلك.
لكن ليس واضحا في اي حال كيفية قدرة النظام في سوريا على قلب موازين القوى لمصلحته والتي يعزوها الى اسباب ومؤامرات خارجية في حين يرى الديبلوماسيون المعنيون ان انفلات حدود العراق امام اي نوع من المساعدات التي يحتاج اليها النظام من ايران او سواها قد تتسبب في حرب اهلية في العراق على وقع السعي المستمر للحكومة العراقية من أجل انهاء مرحلة البعث بكل مفاعيله ورموزه واحتمال مساعدته حزب البعث الحاكم في سوريا الذي يماثل في ادائه تجاه مواطنيه ما يعتقد ان العراقيين عانوه من البعث العراقي بنسب مختلفة.
وتقول هذه المصادر ان هناك حرصا عراقيا على تجنب التداعيات الكبيرة للازمة السورية ويخشى ان يؤدي اي انفتاح عراقي مختلف او كبير الى التسبب بمشكلات داخلية للعراق لم يعرف كيف انتهى منها نسبيا من خلال الصراع الطائفي والمذهبي. وتاليا لا ترى هذه المصادر كيف يمكن العراق ان ينأى بنفسه عن التورط في حروب داخلية يظل الباب مفتوحا عليها ومحاولته او مساعيه لاقفال هذا الباب نهائيا.
والامر اكثر تعقيدا في ما يتصل بمحاولة العراق العودة الى الجامعة العربية ولعب دوره كعضو فيها خصوصا اذا كان لهذا الدور ان يؤثر على العراق على نحو مباشر. اذ تطرح هذه المصادر الاحراج او الوضع الصعب الذي يجد فيه العراق نفسه نموذجا يتمثل في لبنان الذي يشكل بدوره الرئة الاخرى الحيوية للنظام السوري راهنا ولسوريا عموما والذي على رغم الضغوط الدولية التي يتعرض لها من اجل ان ينأى بنفسه عن الوضع السوري ولا يأخذ جانب اي فريق فيه لا سلبا ولا ايجابا يحاول ان يؤدي الدورين معا. ويشكل غض النظر الواقعي والعملاني على المستوى الدولي عن استخدام هذه الرئة العراقية واللبنانية اقرارا بأن التواصل اللبناني السوري والعراقي السوري امر لا مفر منه خصوصا من اجل منع اختناق الشعب السوري واستمرار وصول الامدادات الحيوية الضرورية له لان لا حصار مقررا ضد الشعب او اي اجراءات تطاوله بل ان المواقف الدولية ترمي الى عكس ذلك على رغم انعكاس بعض القرارات عليه. ووضع العراق بعد الانسحاب الاميركي سيشبه الى حد بعيد الوضع اللبناني من حيث الاتجاه الى النأي بنفسه، علما انه سبق له ان اعتمد هذه الخطة في التصويت في الاجتماع الوزاري العربي في القاهرة الذي اتخذ فيه قرار بتعليق عضوية سوريا في الجامعة. الامر الذي لم يستطع لبنان اتخاذه وسط ملاحظة ديبلوماسية عن وجود رأيين متضاربين على نحو واضح في الحكومة بين ما يعلنه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي يقول بالنأي بالنفس عن الوضع السوري والتزام قرارات الجامعة العربية في حين يعلن وزير الخارجية عدنان منصور موقفا مختلفا داعما للنظام ومعارضا اي قرار محتمل يمكن ان يتخذه العرب.
اما الرهان على ان التحول في الوضع العراقي نتيجة انسحاب القوات الاميركية قد يشكل مكسبا او عاملا مربحا من حيث اعطاء النظام السوري مهلة اضافية، فإن هذه المصادر تدرج ذلك في اطار سعي كل زعماء الانظمة التي شهدت انتفاضات مماثلة لما يشهده الوضع السوري الى محاولة الافادة من بعض الواقع والعوامل المساهمة فيه لكن من دون نجاح كبير حتى الآن كما تقول.
فهل في المعطيات تبسيط مبالغ فيه للامور او رهانات في غير محلها؟