فلنختصر الموضوع: أعلن الرئيس نجيب ميقاتي في مقابلته التلفزيونية الأخيرة انه سيستقيل من رئاسة الحكومة في حال لم يوافق مجلس الوزراء على تمويل المحكمة الخاصة بلبنان.
لقد شكل الاعلان هذا تأكيداً للمعلومات التي كانت أفادتنا بأن ميقاتي وعد الفرنسيين والاميركيين والسعوديين وحتى البريطانيين انه سيستقيل من منصبه في حال فشل في حمل "حزب الله" على القبول بتمويل المحكمة. ولكن ثمة ملاحظات على موقف ميقاتي تدفعنا الى التشكك:
أولاً انطلق ميقاتي في موقفه من فكرة مركزية قوامها انه لن يقبل بأن يستمر رئيسا للحكومة في حال لم يمر التمويل لأنه لا يريد في عهده ان يتسبب في عقوبات دولية تؤذي البلاد. وبمعنى آخر غيّب ميقاتي العامل الاخلاقي الذي يهم ملايين اللبنانيين ألا وهو العدالة لشهداء الاستقلال وتحدث عن المال والعقوبات. لذا فإن منطلقات رئيس الحكومة الاخلاقية مختلفة عن منطلقاتنا. بالنسبة اليه شبه غائبة. هنا مشكلتنا مع ميقاتي.
ثانياً – ترك ميقاتي بابا لمناورة يقال انها قيد الاعداد. فقد حكى عن محاولات لاقناع وزراء بالتصويت مع التمويل (الارمن وآخرون). ومعلوم ان احداً من فريق الثامن من آذار لن يصوت مع التمويل ما لم يقبل "حزب الله" ضمناً. من هنا ثمة من يقول بوجود مناورة هدفها منع الحكومة من السقوط وتعويم ميقاتي سنياً وعربياً ودولياً، واثبات مزاعمه أن الحكومة ليست حكومة "حزب الله"!
ثالثاً – في حال سقوط التمويل فإن ميقاتي يخرج ويقلل من خسائره قدر المستطاع. ألم يقل قبل يومين: "ما بقا فيي اتحمل"؟و مع ذلك فإنه يخرج مثخناً بالجراح، خصوصاً انه رأس حكومة "حزب الله" وبشار الاسد في مرحلة سقوط الأخير. لذا ربما جاء تلويحه بالاستقالة مقدمة للخروج من مأزقه الكبير. وربما كانت في الأمر انتفاضة على "حزب الله" وبشار الاسد على قاعدة انه يغرق وليس في امكانه حمل وزر قتلة في لبنان وقتلة في سوريا.
رابعاً – باستقالته يرمي ميقاتي الى احراج الاستقلاليين عبر دفع الامور الى المأزق. فسقوط الحكومة الحالية يدخل البلاد في فراغ وشلل تامين لمدة طويلة. وربما كان ذلك عذراً لـ"حزب الله" والنظام في سوريا لتوتير الاوضاع في البلاد.
لقد كلف ميقاتي بتشكيل الحكومة قبل احد عشر شهراً، ومضى على هذه الحكومة ما يقارب الاشهر الخمسة. و لم يسبق لحكومة ان عانت العزلة والشلل، واعتبرت في الخارج حكومة غير حرّة كحكومة ميقاتي. لقد بدت هذه الحكومة اشبه بالحكومات التي تشكل في زمن الاحتلالات. ولعل أبرز ما دل على ذلك اتفاق العرب والمجتمع الدولي على اعتبار حكومة ميقاتي حكومة مغلوبة على امرها يحكمها "حزب الله" في الداخل وبشار الاسد في الخارج.
قصارى القول، ان ميقاتي على جاري عادته قد يحضّر لمناورة او حيلة جديدة، لكننا صدقاً ننصحه بالرحيل اليوم قبل ان يغرق مع بشار!