احتفل لبنان الثلاثاء الماضي بعيد الاستقلال الثامن والستين. وللاحتفال معنى ان المحتفلين، زعماء ومسؤولين، وشرائح، يعتبرون هذه الذكرى محطة تاريخية كبرى بين زمنين: زمن بلا سيادة، ولا حرية قرار وطني، ولا إرادة سياسية، وزمن يفترض ان الشعب تمتع بكل المقومات الحرة التي تجعل منه صاحب الأرض والشأن والحدود المرسومة، والكلمة، من دون خضوع لأي مشيئة خارجية. وهل هناك أبسط من التمييز بين بلد ذي سيادة، وآخر بلا سيادة؟ بين بلد خاضع لانتداب وآخر بلا انتداب؟ بين وطن تحت وصاية وآخر بلا وصاية؟ والتسميات عديدة والجوهر واحد: هل هناك شعب ما في العالم أو جزء من شعب، أو طائفة، أو حزب، أو قبيلة، ضد الحرية؟ أو ضد السيادة؟ أي مع المنتدب، أو المحتل، أو الوصي؟ السؤال قد يبدو غريباً لو طرح في بلدان أخرى غير لبنان: في فرنسا مثلاً، أو حتى في الجزائر، أو في تونس… لكن يبدو ان طرحه في لبنان جزء من طرح هوية هذا البلد، وجزء من طبيعته، وجزء من تاريخه، وكذلك من مستقبله، وعندما كان بعض الأجانب يتساءل مستغرباً: كيف يمكن ان يكون هذا الجزء من اللبنانيين أو ذاك (وبالتناوب) مؤيداً مثلاً لغزو إسرائيل بلده؟ أو مرتهناً للنظام العراقي (سابقاً)، أو لليبي (سابقاً) أو للمصري (سابقاً) أو لإيران حالياً… أو لسوريا منذ أربعة عقود، أو حتى لعرفات ابتداء من أواخر الستينات، وحتى منتصف الثمانينات. عندما نقرأ المجلات والجرائد الأجنبية نكتشف مدى استهجان أقلام حرة فيها، لرفض بعض اللبنانيين فكرة "الاستقلال" أو "غريزة الحرية"… وهنا نتساءل وقد عايشنا ظروف بلادنا منذ خمسة عقود وأكثر، ان حتى البداهة معطلة في فهم هذه الأمور. قد نعود الى عصر الامبراطورية العثمانية، وصراعها مع أوروبا، ومحاولة اقتسام لبنان من خلال اقتسام الطوائف وتبنيها، فتكون كل طائفة من حصة ذلك البلد. انها قسمة الآخرين بامتياز لكن الغريب ان تستمر هذه الذهنية عند أهل "الاستقلال" والمذاهب، والأحزاب الايديولوجية. كأنما تطورت ذهنية الارتهان (الطبيعي والبديهي) من الطوائف الى الأحزاب والحركات الليبرالية واليسارية واليمينية لكل منها "مربط خيله" إما في الاتحاد السوفياتي، أو في فرنسا، أو في إسرائيل (فترة السبعينات) أو بسوريا… وصولاً الى إيران. كأن الكل متساو في جعل محيطه مساحة لهذه القوة الخارجية أو تلك، لتصنع مصيره أو مصير بلاده. حتى الصحافة والإعلام ووسائل الاتصال نَحَت هذا المنحى، وساهم بعضها في اذكاء الحروب الطائفية وغير الطائفية ارتباطاً بجهات خارجية ممولة أو ايديولوجية أو قومية.
ونتذكر هنا عبارة الرئيس الأسبق شارل حلو لدى استقباله وفداً من الصحافة اللبنانية "أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان"! (وكان ذلك صحيحاً الى حد كبير).
لكن أين كان بلدهم الأول؟ كان بلدهم الأول أحياناً حيث "بيت المال" الثوري أو بيت المال غير الثوري: أي بين "الدولار" الثوري (المشروع) والدولار "الرجعي" (العميل!). رائع! السؤال: كيف يمكن صحافياً كبيراً أو صغيراً، أو مثقفاً كبيراً، وصغيراً، ان يرفض فكرة الاستقلال؟ أو الحرية؟ أو الديموقراطية؟ أو السيادة؟ عندما يرتهن للخارج، سواء بأنظمة دكتاتورية أو حزبية، مسخراً مصير بلده لهذه، ولارتباطه ولمصالحه الصغيرة، لقاء "زه! زه!) أو لقاء سلطة، أو منصب، أو امتياز، أو بحبوحة، أو مجد أو تكريس مذهبية؟ غريب! قد تخطئ النخب المذهبية أو الطائفية في تفضيل "مصالحها" (وعادة هي مصالح زعمائها)، أو الحزبية، أو السياسية، في اختياراتها وممارسة ثقافة الارتباط (أو العمالة) للخارج، أو لمناهضة أشكال من "الديموقراطية"… أو شكل "حرية التعبير" أو استقلالية القرار.. لكن اتخطئ الصحافة نفسها، وهل مسموح ان ترتكب الصحافة ما ترتكب هذه النخب المنجرفة في مصالحها؟ كيف يمكن ان ينحاز صحافي عريق أو دخيل أو جديد، الى معركة ضد الديموقراطية، في الوقت الذي يفترض ان علة وجوده هي الديموقراطية؟ كيف ينتقل هذا الإعلامي بانتماءاته من جهة خارجية الى أخرى، ولو كانت هذه الجهة تحتل بلاده، أو تستعمره، أو تشكل وصاية عليه، أو تحتقر ناسه، وتقتل الحرية، وتفتح السجون للكتّاب وحتى الصحافيين؟ شيء غريب كيف يقف الواحد من هؤلاء ضد نفسه؟ وضد بلاده؟ وضد أهله؟ وضد السيادة نفسها! لم نسمع بعد ان شعوباً أو أجزاء من الشعوب، وإعلاماً أو أجزاء من إعلام أو أحزاباً أو أجزاء من احزاب… تقاوم السيادة، أو الحرية، لمصلحة القوى الاستبدادية الخارجية الطغيانية التي تتحكم بالقوة، وبالترهيب، بمصائر بلادها.
رهيب! في الثمانينات مثلاً، الغت بعض ميليشيات عيد الاستقلال الوطني واستبدلته بآخر. وكأنها تقول ان التاريخ الاستقلالي يبدأ عندي. ونتذكر حرب العلمين بين بعض الفئات: العلم اللبناني مرفوض من جهة، ومُدافع عنه من جهة أخرى، وهذه المعادلة قابلة للتغيير والانقلاب، بحيث يصبح رافض العلم ثائراً من أجله، والمُدافع عنه سابقاً يفضل علمه الحزبي عليه أو علم الدولة.. الراعية له! وفي الثمانينات قامت المقاومة الوطنية ضد إسرائيل (الحزب القومي السوري الاجتماعي، الحزب الشيوعي، منظمة العمل الشيوعي)، ورأينا ان المقاومة هذه لم تحدث اجماعاً لبنانياً، لأنه كان مقاومات أخرى لبنانية، فلسطينية شعبية، وتالياً إيرانية وسورية مع حزب الله (هذه المقاومة انشئت باتفاق بين الرئيس الإيراني رفسنجاني والسوري حافظ الأسد، كبديل من المقاومة الوطنية العلمانية). غريب: كأنه تصادم مقاومات، كل منها يرفع شعار التحرير، والكل يستجلب ما يناقض التحرير، أي ما يجعل هذه المقاومات "تستبدل" مرجعية بعيدة أو قريبة بأخرى: تصادم تحرير أي تصادم وصايات بشعارات تحرير. فأين الاستقلال في كل ذلك؟ صحيح ان كل معركة ازاحة احتلال أو ما يشبهه قد تلجأ الى من يدعمها من جهات داخلية أو خارجية، لكن شرط الا يحل هذا "الحليف" محل الآخر: نستبدل وصاية بوصاية، أو خضوعاً بخضوع، بحيث تكون الأمور صراعاً بين وصايات أو احتلالات، فنزيح هذه لنأتي بتلك. تماماً كما حدث في مراحل من تاريخنا: نحارب العثمانيين بالانكليز، أو بالفرنسيين، مثلاً أو الأحرى يحارب الانكليز أو الفرنسيون بنا العثمانيين، أو يتحاربون بنا في صراعهم علينا، فنواجه احتلالاً بآخر. وإرادة غير وطنية بإرادة غير وطنية. وهذا ما يسمى الاستقواء بالخارج لفرض حضور أو غلبة في الداخل. أوليس هذا ما حصل عندما حرر حزب الله الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي ليُهدي هذا التحرير للنظامين السوري والإيراني، فيحل "احتلال" محل آخر. وتستبدل وصاية بأخرى. والسؤال: هل يمكن ان يكون المرء مرتزقاً في معركة التحرير، فيحرر "خدمة" لعبودية أخرى؟ فكيف لمن ليس عنده شعور بالحرية ان يكون محرراً، وكيف لمن لا يريد استقلالاً ناجزاً ان يخوض معركة استقلالية؟ وكيف لمن يسعى الى مقاومة محتل، وهو مرتبط بمحتل آخر، ان يكون مقاوماً؟ شيء مريع! وهذا بالذات ما كوّن كل هذه الخلائط والعجائب والتناقضات والازدواجيات في تحديد "هوية" المقاومات التي عرفناها على امتداد هذا البلد. فأي تحرير هذا ليس بتحرير. وأي مقاومة هذه "تشتغل" عند مرجعيات أخرى، من مُرتبط ايديولوجي، أو ديني، أو مذهبي: إذاً كل ذلك يجعل مسألة "الاستقلال" مسألة "انتداب". يجعل من كل مقاومة وسيلة، مجرد وسيلة لدحض المقاومة نفسها. أي تكون كل مقاومة للتحرير هي مقاومة للحرية، وكل مقاومة للحرية وسيلة للدكتاتورية. لعبة مرايا مدببة. غريبة. ولو عدنا الى حزب الله كمقاومة، نجد انه انشئ بقرار سوري، إيراني، ليلغي المقاومة الوطنية التي كانت على علاقات عضوية بالثورة الفلسطينية وبالنظامين العراقي والليبي، ويحتلها. مقاومة عدو البلد تحتل مقاومة أخرى، لتأخذ قرار الحرب والسلم من الأيدي اليسارية والقومية وتسلمها الى جهات أخرى: أي الى النظامين السوري والإيراني: قرار المقاومة كما شهدناه عموماً وعلى الرغم من التضحيات والشهداء إذاً هو قرار لا علاقة له بالتحرير، وقرار الحرب والسلم (في الجنوب) هو قرار أجنبي وخارجي.
فأين التحرير وأين المقاومة وأين الاستقلال؟ أكثر! أليس غريباً ان يخون حزب الله مثلاً المفترض انه "بطل" التحرير أبطال الاستقلال الثاني أي 14 آذار. أكثر: كيف يمكن ان يجعل "المحررون" كل استقلالي عدواً أو عميلاً. لو لم يكونوا عملاء! أو على الأقل مجرد وسائل ارتهانية بشعارات كبرى؟ فمن هو المقاوم ومن هو غير المقاوم: ومن هو التحريري ومن هو الاستقلالي: ايجوز مثلاً ان تكون المعركة الكبرى في لبنان بين المقاومين والاستقلاليين؟ أكثر: ايجوز ان يغزو مقاومو "العدو الإسرائيلي" مدن بلادهم واستباحة الاستقلاليين تنفيذاً لإرادة هذه الوصاية أو تلك؟ فهل نصدق هؤلاء الآتين على صهوات البطولة عندما يحددون أكثرية شعبهم المطالب بالاستقلال عدواً لهم؟
وعندها يمكن استشفاف ان هؤلاء استخدموا معركة التحرير ليعمقوا الارتهان، ولجأوا اليها كوسيلة وصول الى السلطة. فالمقاومة تعني ازاحة "خارج" وإحلال "خارج" آخر: أي القضاء على نظام لإحلال نظام آخر (بقوة الخارج)، والانقلاب على واقع لتغييره لمصلحة واقع آخر: الحجة ان المقاومة المحررة تريد البلد جائزة "لنضالها"، أو الأحرى تريد ان يكون البلد مكافأة لحلفائها الخارجيين. أكثر تريد اجماعاً من الشعب على ارتباطها، بحيث يكون هذا الأخير قطيعاً مطيعاً لها. هذا مخيف! فكيف يكون التحرير عداء للسيادة. وللديموقراطية. وللحرية ومتى يكون التحرير مناقضاً للحرية؟ فاذا حصل ذلك فمعنى ذلك ان التحرير والمقاومة كانا ذريعة للاستيلاء على السلطة، وتغيير النظام، وتبديل بطش ببطش، وقمع بقمع. خصوصاً إذا احتفظ أهل "المقاومة" بسلاحهم بعد خروج المحتل، لاستخدامه بالطريقة ذاتها التي استخدم فيها ضد العدو، ويعني ذلك ان حزب الله بات يقاوم الشعب كبديل من العدو. ويناهض الاستقلال الذي تحقق بخروج الجيش السوري، باعتباره موازياً للاحتلال، أو للخيانة، أو للعمالة. ونظن ان حزب الله و8 آذار وممانعيه، قلّما اعترفوا بالاستقلال الأول 1943 لكي لا يعترفوا بالاستقلال الثاني. أكثر: ينفون الاستقلاليين لأنهم يرفضون مبدئياً فكرة الاستقلال التي ترتب عليهم أولاً وأخيراً فك ارتباطهم بالنظامين الإيراني والسوري، وتوجههم الى الشعب ككل (وليس الى شرائح مذهبية أو التمسك بمقاومة مذهبية، أو بكانتون فئوي) كمصدر للإرادة الوطنية. وقد استشفت الناس نيات 8 آذار وخصوصاً حزب الله وحلفاء النظام السوري في القيام بانقلاب ضد الاستقلال، لمصلحة التبعية للبعث ولولاية الفقيه، عندما وجّه السيد حسن نصرالله شكره لسوريا نظاماً وشعباً (أين الشعب السوري اليوم يا سيد حسن: خونتم أكثرية الشعب اللبناني وها انتم تمسخون وتخونون أكثرية الشعب السوري المنتفض، ولو! كما خونتم نصف الشعب الفلسطيني…من قبل!) وبدء تخوين ثورة الأرز! فهؤلاء يمانعون أولاً وأخيراً الاستقلال عن القوى الأجنبية، بحيث يكونون جزءاً تنفيذياً لهذه القوى، ووسائل طيعة لجعل البلاد (بقوة السلاح الخارجي بأيديهم) ومن جديد تحت الوصاية! على هذا الأساس وجدنا كمهزلة أن حكومة حزب الله والنظام السوري، احتفلت بالاستقلال الأول كمجرد ذكرى، إذ كيف يحتفل هؤلاء بالاستقلال إذا كانوا ضد فكرة الاستقلال نفسه! على خلاف رواد الاستقلال الثاني من قوى 14 آذار، التي ترى ان الاستقلال الثاني استمرار شعبي ديموقراطي (لا نخبوي سياسي) للأول. هذه الصيرورة ضرورية لتكريس فكرة الاستقلال كمعبر أساسي عن قيام دولة قومية وديموقراطية وعدالة وتعددية وحرية وجيش يحمي الحمى لا جيش تابع للأجهزة غير الاستقلالية ومرجعياتها الخارجية (كما كان أيام اميل لحود ورستم غزالي وعدنان عضوم).
من هنا يأتي الاحتفال المزمع قيامه في طرابلس الأحد المقبل احتفاء بالاستقلال الثاني (كرديف للأول) وبشهدائه (باعتبار ان حكومة ميقاتي استثنت هؤلاء من لوائح التكريم) وإعلاناً كبيراً ان جماهير ثورة الأرز ما زالت على حيويتها، وعلى مطالبها، وعلى ثوابتها، وعلى زخمها، على الرغم من محاولات 8 آذار المهيضة الجناحين، يتيمة "طغاتها" المتساقطين أو المعزولين، تنظيم حملات إعلامية "تبشر" بنهاية ثورة الأرز! يوم الأحد في طرابلس تجديد روح الانتفاضة. بل يمكن القول انها الانتفاضة الأخرى، التي تسعى الى إسقاط المنطق الانقلابي وأدواته، وإفشال اقامة نظام احادي شمولي بقوة السلاح (الخارجي) وبقوة الترهيب والغزوات ومعزوفات التخوين التي بدا انها ترتد عليهم وعلى العملاء لإسرائيل الذين يتكاثر (اكتشافهم في بيئتهم الحاضنة).
وكما تجددت الثورة في مصر، لاسترداد مكاسبها، في ميدان التحرير وساحاته المتسعة، فها هي "ثورة الأرز… في ميدان التحرير الطرابلسي تصرخ: الشعب يريد إسقاط الانقلاب" "الشعب يريد إسقاط الوصايتين".. "الشعب يريد إسقاط السلاح الميليشيوي"!
تصرخ: الاستقلال يصنع كل يوم. ولا يُصنع مرة واحدة! تماماً كالديموقراطية والعدالة والحرية.
الاستقلال مشروع للمستقبل وليس مجرد إرث ثابت من الحاضر أو الماضي.