#adsense

من يطمئن المسيحيين؟

حجم الخط

ليست إثارة مخاوف المسيحيين اللبنانيين أمرا مستجدّا، فالحرب في لبنان- تحديدا بعد هزيمة المشروع الذي تردّد بين الدويلة المسيحية وبين الصيغة المسيحية للدولة اللبنانية على أنقاض صيغة 1943- أنتجَت رفضهم الانخراط في مشروع بناء الدولة، وفق "اتفاق الطائف"، واستَولدت زعم الإحباط لديهم، لا سيما بعد فرار الجنرال ميشال عون إلى فرنسا، ولاحقا تهميش نظام الوصاية القيادات المسيحية الأخرى، حتى السجن، وفشله في استيلاد قيادات بديلة.

كان مقدّرا للموقف الوطني الجامع يوم 14 آذار 2005 أن يكون المنعطف التاريخي الذي انتظروه طويلا، والذي ترجم على الأرض ما نَصّ عليه اتفاق الطائف لجهة أنّ لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه: فهم كانوا يأخذون على شركائهم في الوطن أنهم يتطلعون، باستمرار، إلى محيطهم العربي، ويتفاعلون معه أكثر ممّا يكترثون لواقع البلاد، وأنهم يقدمون أي قضية عربية على أي شأن لبناني، من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، إلى حرب الجزائر، وصولا إلى تحرير فلسطين، والمقاومة الفلسطينية وشعار بعض قادتها "تحرير القدس يمرّ بجونية".

صحيح أن ذلك اليوم لا يزال يتفاعل مع طموحات اللبنانيين وانتظاراتهم، لكن اصطناع ما يسمّى مخاوف على مصير المسيحيين في لبنان يُلقي عليه ظلالا سوداء تعاكس الآمال التي وَلدها لدى اللبنانيين جميعا: جاء زعم الإحباط بُعيد "اتفاق الطائف" فلجمَ اندفاعة الصيغة السورية له، ما خفّف منه. ثم ساعد مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري للنهوض الاقتصادي وحرصه على الدور المسيحي فيه على لجمه، إلى أن انمحى بانتفاضة الاستقلال الثاني، التي "ترعرعت" في "قرنة شهوان" على يد طليعة من المسيحيين. فهل إنّ زعم المخاوف اليوم هو سيناريو معاكس لما كانه الإحباط بالأمس، ومؤدّاه إرباك استكمال دولة السيادة والحرية والاستقلال، خصوصا أن ما تشهده دول الاستراتيجية الإقليمية المضادة يؤشر إلى هزيمة أنظمتها المؤكدة؟

ينطوي الكلام على خوف المسيحيين على مؤشرين أساسيين، أوّلهما التشكيك بالشريك في الوطن وفي حرصه على الشراكة، وإنكار صدقية إيمانه بها، والتزامه بالمناصفة أيّا يكن العدد. وثانيهما أنّ من يزعم هذه المخاوف ويشهد عليها توقعات لما يفترضه سيحدث في المحيط، إنما يربط لبنان بالمحيط خلافا لما أراده المسيحيون منذ الاستقلال وسمعوا الردّ عليه بالإيجاب في 14 آذار 2005، وتكرر مذّاك عند كل مفترق سياسي.

إنّ زعم هذه المخاوف والترويج لها لا يمكن إلّا أن يفهما كمحاولة لإضاعة فرصة تاريخية حَقّقها تلاقي جميع اللبنانيين، أو أغلبهم، على مشروع الدولة ونهائية الوطن. وما يزيد من خطورة الأمر أنّ الفريق المقابل لا يَني يحاول تعطيل قيامها، وحتى وراثتها، سواء بتأبيد دور السلاح أو بتقويض سلطتها.

أليس لافتا أن ينطلق الترويج لهذه المخاوف وزعمها بُعَيد اشتداد ضغط "الربيع العربي" في سوريا، فجرى التذكير بأحداث 11 أيلول 2001، وما تبعها من كلام أميركي على "عالم إسلامي يصدّر العنف والارهاب ولا يتماشى مع الديموقراطية" (تراجعت عنه واشنطن لاحقا أو لجمته في أسوأ الحالات)، والاعتداء على مسيحيي العراق بعد الاحتلال، وتصوير الاعتداء على تظاهرة الاقباط في مصر وكأنها عمل "إسلامي" منظّم، على رغم ان التحقيقات القضائية أشارت إلى أدوار مُلتبسة لما يسمّى "البلطجية"؟

يتجاهل هذا الترويج تبَرّؤ المسلمين جميعا من مرتكبي جرائم 11 ايلول، كما يتجاهل أن مقتل المسيحيين في العراق كان في خلال حرب أهلية بعد الاحتلال الأميركي، أودَت بأعداد من المسلمين سنّة وشيعة أضعاف أضعاف مَن أودَت بهم من المسيحيين، تماما كما الحال في مصر حيث ذهبت الاستنتاجات السياسية إلى أن الإسلاميين هم آخر من يستفيد، سياسيّا، من الاعتداء على الأقباط ، وأن اسرائيل أو الحزب الوطني المنحَلّ وحتى المجلس العسكري، أولى بهذا الاتهام، ولكلّ أسبابه في ذلك ومصلحة ممكنة.

لا يبرّر هذا التصويب عدم التعاطف مع هؤلاء أو أولئك، بمنطق الحرص على حياة الإنسان أيّا يَكن عرقه أو لونه أو دينه، لأنّ الوقوف إلى جانب ضحية أو صاحب قضية هو ترجمة للإيمان بالقيم الكبرى للبشرية، الذي يفترض أن يكون بلا شروط.

كذلك، لا يبرر إعلان رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل التزام ليبيا الشريعة الإسلامية، أو فوز "حزب النهضة الاسلامي" في تونس بالأغلبية النيابية، استثارة المخاوف على التعددية اللبنانية. فالشعب الليبي ذو أغلبية إسلامية مطلقة بالكامل، وهو حرّ في اختيار دستوره وقوانينه، والشرط الوحيد المطلوب منه هو أن يلتزم بحرياته وحقوقه كما بحريّات الآخرين وحقوقهم، بينما في تونس أعلن حزب النهضة تحالفه مع أحزاب يسارية، والتزامه بالتعددية الحزبية والعلمانية، أي فصل الدين عن الدولة واعتماد القوانين العلمانية التي تطبّق منذ عهد الحبيب بورقيبة. فالحركات السياسية الاسلامية – التي ليست "القاعدة" من فئتها – خرجت من مفاهيم سيّد قطب التي وضعها في خمسينيات القرن الفائت، وهي اكتسبَت بهربها من أنظمة القمع في بلدانها، إلى أوروبا تحديدا، معرفة بالديموقراطية وباستحالة العيش في القران الواحد والعشرين بتزَمّت الزمن الغابر.

المفارقة أن اللبنانيين المسيحيين الذي بشّروا باستمرار بأهمية أن تسود الديموقراطية في العالم العربي، يوضعون بالترويج لمخاوف مزعومة لديهم في موضع من ينكرها على الآخرين، ويبدون مقتنعين بأنّ ذميّة تحت قبضة الديكتاتورية أفضل ممّا سيحمله "الربيع العربي".

لكن، حتى لو سَلّمنا بوجود هذه المخاوف، فإنّ ما يطمئن المسيحيين ليس وثيقة تفاهم يوقّعها مسلمو لبنان، ولا مسلمو المنطقة العربية. فمَن يطمئن المسيحيين هم المسيحيون، الذين لم يترددوا إبّان القمع العثماني في أن يكونوا طليعيين في حياة المنطقة، لأنهم لم ينظروا إلى أنفسهم كعدد بل كدور، فكانوا نافذة العرب على التطوّر ومعبرهم إلى روح العصر. وحين كان العسف العثماني يعمل فتكا بالعرب، مسلميهم ومسيحييهم، حملوا فكرة العروبة منفذا يوحّد شعوبها ويفتح لها أفق التحرر، من دون أن يهجسوا بالعدد ولا بالخوف على المصير. فهل الخوف المُفتعل اليوم لدى المسيحيين أكبر من خوف أسلافهم إبّان الحكم العثماني؟

أن يكونوا طليعيين، هو الفعل الذي أعلى شأن اللبنانيين، والمسيحيين في الطليعة منهم، وهم اليوم في حاجة إلى دور خلّاق ليس أقلّه العمل على إقامة دول حقيقية في المنطقة، وفي الطليعة لبنان، أساس بنيتها الديموقراطية وصون الحريات واحترام سيادة كل دولة على أراضيها ومواطنيها وإسقاط الأحلام الامبراطورية والوحدات بالقوة والانتهازية.

لقد لعب المسيحيون في المشرق العربي دور الجسر إلى الحداثة في السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع، لسبب أساسي هو تمسّكهم بمواطنيّتهم في بلدانهم، ساعدهم في المهمة اتصالهم بالتقدم الاوروبي، عبر الارساليات التي امتنع مواطنوهم المسلمون عن تقبّلها لأسباب سياسية – دينية.

المواطنة اللبنانية هي ما سَعوا إليها في لبنان لتكون عماد الشراكة، وهم اليوم، بحجّة المخاوف العابرة للحدود، يدفعون للارتداد عنها إلى تقوقع من رواسب عقلية أهل الذمّة وهواجس الفئوية المرضية.

انهم يتناسون أنهم ليسوا طيورا مهاجرة حَلّت في لبنان مصادفة، وتقيم على احتمال استئناف رحلتها، بل هم في جذور هذا الوطن وعليهم أن يؤمنوا بأنهم ليسوا حبّة قمح وانّ الآخرين ليسوا دجاجات.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل