تستعد مدينة طرابلس لاحتضان مهرجان الاستقلال الذي ينظمه "تيار المستقبل" يوم الأحد، وسط أجواء تحفيز واضحة في أوساط قوى 14 آذار لإحداث نقلة نوعية في الأداء السياسي لهذه القوى، ليس على مستوى العلاقة برئيس الحكومة نجيب ميقاتي وما يتفرع عن القضية الحكومية من تفاصيل، قد تكون حاضرة، لكن الجانب الأهم في هذا المشهد، هو استعادة الوحدة الفعلية لمكونات 14 آذار السياسية والوطنية والمدنية وعودة الحديث عن كيفية استئناف مشروعها الوطني.
استبق خصوم 14 آذار مهرجان الاستقلال بموجات متلاحقة من الشائعات عن مخاطر اندلاع مواجهات في طرابلس، وعن وجود مخطط لإعادة فتح جبهة بعل محسن التبانة، وحاول البعض زجّ الملف السوري في عوامل الإقلاق من المهرجان والسعي لإبقاء الناس في البيوت وثنيهم عن المشاركة تحت عناوين الخوف الأمني.
تحمل هذه التسريبات تهديدات مباشرة لأهل طرابلس والشمال لمنعهم من المشاركة، لكنّ مطلقي هذه الحملات فاتهم أن جمهور 14 آذار حقق نسبة مشاركة قياسية بعد تفجير عين علق الذي نفذته أيادي النظام السوري لإفشال حركتهم الجماهيرية.
في المقابل، من الواضح أن "تيار المستقبل" اختار القاعة المقفلة في معرض رشيد كرامي الدولي لضمان ضبط الحركة الشعبية الكبيرة التي يتوقع تدفقها إلى المهرجان، ولسد ثغرة "يوم الغضب" الذي اندلع إثر الانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الرئيس سعد الحريري.
إلا أن أكثر ما يثير الاستغراب، محاولة إثارة النعرات المناطقية والحساسيات بين طرابلس وامتدادها ومحيطها، وتصوير أن مشاركة أبناء المنية والضنية وعكار وزغرتا والبترون والكورة وبشري في المهرجان هي بمثابة حضور "غريب" عن عاصمة الشمال، في استعادة لحواجز وحدود اصطنعتها الوصاية السورية، وأقامت الحواجز بينها إرادة النظام الأسدي الذي وضع كل جهوده من أجل فك الارتباط بين اللبنانيين.. وهذا ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الجماهير تأتي إلى الفيحاء غازية مدمِّرة، وعما إذا كان لبنان مقسماً على حدود الوهم للوصاية المندحرة؟
في الحقيقة، إن هذه الجماهير آتية للتضامن والتلاقي والتعاون والوحدة، ويسود الانطباع أن مطلقي هذه النعرات لم يدركوا أن هذه الوفود المتمتعة بالتنوع والتجانس مع تاريخ طرابلس ومسارها الإنساني والوطني سبق أن دخلتها، في مناسبات كثيرة، كان آخرها مهرجان 18 آذار الفائت.
إلا أن النكتة السمجة التي صدرت عن وزارة الاقتصاد هي تهديدها المبطن برفع دعوى قضائية على "تيار المستقبل" إذا حصلت في مهرجانه مواقف سياسية استفزازية، كما فعلت مع مهرجان "الجماعة الإسلامية" الأخير الذي أعلنت فيه الجماعة رفضها لسياسة القمع والتنكيل التي يشنها النظام الأسدي على الشعب السوري، بدعوى مخالفة نص الترخيص.
أي ترخيص هذا الذي تتحدث عنه الوزارة، وهل كانت شروطها مضبوطة في مناسبات الفئات السياسية الأخرى، أم أن "نخوة" تطبيق القانون لا تأتي إلا حسب الأهواء والأغراض؟ وكم كنا نتمنى لو أن وزارة الاقتصاد هذه تحدثت عن المعرض في سياق التنمية والتفعيل، لا في سياق التوتير والتعطيل.
وإذ يعزّز فلاسفة التحييد هذا الاتجاه بالدعوة إلى تحييد طرابلس عن التجاذب السياسي والأمني، يصبح السؤال: من بإمكانه أن يهدّد الأمن في المدينة، وهل بتنا أمام معادلة إسكات الرأي السياسي مقابل الاستقرار الأمني؟.
من أهم معاني مهرجان الاستقلال في طرابلس لهذا العام، استعادة حضور طرابلس، مدينة تحتضن الحركة الوطنية الآذارية بألوان طيفها المتنوعة إسلامياً ومسيحياً، وبشخصياتها المنتشرة في كل لبنان، ليصبح حضور مروان حمادة وشخصيات ونواب "الكتائب" والمستقلين من بطرس حرب إلى سمير فرنجية ونايلة ميشال معوض وغيرهم..
بهذا المشهد يكون صوت العيش المشترك والتلاقي بين المسلمين والمسيحيين اللبنانيين من أقوى الأصوات وأعلى النبرات وأرسخ الطروحات وأنبل القناعات.