فاضت القرائح السياسية والاعلامية في الأيام الأخيرة بالتساؤلات والاحتمالات التي قد يرتبها انهيار الحكومة وسط ما يواجهه لبنان من أخطار داخلية وخارجية، وبات الأمر أشبه بمبارزة وطنية عارمة في فك الألغاز والأحاجي الصعبة، في حين أن أحداً، إلا المصاب بعمى الوهم، لم يكن إلا مدركاً بهرولة الوضع الداخلي برمته نحو هذا الموعد المحتوم للمأزق الكبير. وبصرف النظر عما يسوقه الأفرقاء السياسيون من تفاعلات مع الأزمة الطالعة، يبدو مصير هذه الأزمة مرتبطاً بعوامل ثلاثة إما تدفع بها الى التفتق وفتح المسارب على المجهول وإما الى الاحتواء الظرفي وتأخير الانزلاق نحو الأسوأ.
العامل الأول هو مواجهة حلفاء سوريا في لبنان اختباراً "وجودياً" غير مسبوق منذ عقود أربعة، هي عمر النفوذ السوري الساحق في لبنان، يتمثل في قدرتهم على منع انهيار سلطتهم في اسوأ معادلة قد تشكلها استقالة الحكومة، بحيث يسبق انهيار هؤلاء الحلفاء ما يراهن عليه خصومهم الداخليون والخارجيون من انهيار النظام السوري الذي يدينون له بكل شيء تقريباً.
والعامل الثاني هو مواجهة النظام السوري نفسه ما سيرصده العالم العربي والغربي قاطبة من قدرته المتبقية على لمّ شمل صفوف حلفائه في لبنان ومنع انفراط عقدهم وممارسة نفوذه لتعويم الحكومة بمخرج ساحر ما حتى لو كان بمثابة تمريرة لتمويل المحكمة نحو هذا الخارج المتربص بالنظام والمحكم حصاره عليه.
والعامل الثالث هو مواجهة النظام اللبناني ساعة الحقيقة الصرفة، في حال استقالة الحكومة بالاحتكام الى اصوله الدستورية الصرفة لا الى قواعد الفوضى "اللاخلاقة". فالاستقالة لا تعني تصريف الاعمال المفتوح على المجهول، خلافا لكل التبجحات والتهويلات الرائجة، بل تعني استشارات فورية وتكليف رئيس حكومة تسميه الأكثرية اياً يكن من تقع عليه التسمية والمصادقة فوراً على نتائج الاستشارات لا استحضار تجربة اسقاط الرئيس سعد الحريري. اما تصريف الاعمال فينجم عن حالة اخرى هي اخفاق رئيس حكومة مسمى في تشكيل الحكومة.
هي عوامل ثلاثة مقررة بكل المعايير لمطالع هذه الازمة الناشئة قبل ضرب الاخماس بالاسداس تكبيرا او تصغيرا. ولكنها لا تغني ايضا عن تساؤلات لا يجد المواطن اللبناني اثرا لها في كل الفائض من النظريات التي تنهال عليه. منها مثلا وحصراً: هل حصل اتفاق واضح وتفصيلي على مسألة تمويل المحكمة حين رعت سوريا تفاهم الاكثرية مع الرئيس نجيب ميقاتي على تسميته في كانون الثاني الماضي؟ وهل نكل فريق ما بهذا الاتفاق الآن، ام ان الامر ترك حينذاك على عاتق الراعي السوري؟
وفي المقابل، هل ثمة مصلحة فعلية لقوى 14 آذار الآن في العودة الى الحكم، إذا اتيح لها ذلك، ام انها تفضل مزيدا من التريث نظرا الى تنامي الظروف السورية واللبنانية والعربية والدولية التي تتراكم لمصلحتها لاحقا؟
حتما لم يبدأ المجهول بعد، لكننا على مشارف السباق نحوه.