"قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوا بين الدخول فحومل"
(امرؤ القيس)
لفتتني دمعة الرئيس نجيب ميقاتي أثناء مقابلته التلفزيونية الأخيرة، فتساءلت إن كانت هذه الدمعة جزءاً من عرض هزيل ومفكك عن مواقف ومحطات لا مسوغات منطقية لها، أم هل هي دمعة الأسف على أوهام المجد والفخار التي كان يحلم بها دولته عندما استدعي لرئاسة الحكومة، أم أنها دمعة الندم على الخيارات الفاشلة التي انتهجها خصوصاً بعد تبدل المعطيات التي صورت له منذ أشهر عدة بأنه سينجح "حيث لا يجرؤ الآخرون"؟ بالمحصلة فإن الاستنتاج الأكثر صدقاً من مجمل المقابلة أن دولته مأزوم لدرجة انه كان بحاجة لفاصل إعلاني ليأتي من يهدئ توتره البارز في بداية المقابلة.
لست أدري ما الذي دفع نجيب ميقاتي بالأساس الى قبول الاستدعاء الذي وجهه إليه الأمين العام لحزب الولي الفقيه، ولكنني أعتقد أن الولع بموقع السلطة هو الذي دفعه الى قبول مذلة أتته بالشكل الذي أصبح معروفاً. هو قال مسوغاً لقبوله الرئاسة بأنه ليمنع البلد من الدخول في فتنة، ولكن الواقع أنه أتى عملياً ليغلب فئة من اللبنانيين على فئة أخرى على المستوى الدستوري، بعد أن أثبتت هذه الفئة ذاتها قدرتها على فرض إرادتها من خلال ممارسة العنف والتهديد به، ولا يمكن لدولته أن يكون غافلاً عن دور القمصان السود في تمهيد الطريق له للوصول الى رئاسة الحكومة. الواقع هو أن حزب ولاية الفقيه وأعوانه، وحلفاءه الإقليميين اختاروا شخصية دون غطاء، ومجردة من معطيات القوة الذاتية لتتمكن من تسييرها تحت وطأة أكثرية وزارية ونيابية ليس لرئيس الوزراء فيها إلا أقلية هامشية، فعلى المستوى النيابي هو يمون عملياً على نائب واحد هو أحمد كرامي، أما الوزير محمد الصفدي فيعتبر نفسه حالة قائمة بذاتها، أما على المستوى الوزاري فهو يمون بالكاد على خمسة وزراء بالإضافة الى شخصه.
كل هذا يعني أنه عملياً رئيس حكومة بالوكالة عن تكتلات نيابية شيعية ومسيحية فقط لكونه سنياً ووكل ليكون رئيساً للحكومة. هذا يعني أيضاً أن معطيات توجهات هذه الحكومة السياسية والاقتصادية ليست بيده، بل بيد من يملك الأكثرية في ظل أي تصويت وزاري أو برلماني.
على هذا الأساس، فإن اللعبة كانت مكشوفة أصلاً، فقد أسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري على خلفية ملف اسمه "شهود الزور" وقد أثبت تصرف حكومة الرئيس ميقاتي مع هذا العنوان أنه بالأساس ملف وهمي لا قيمة له على المستوى القضائي. والواقع هو أن هذا الملف كان قد فتح لتعطيل حكومة سعد الحريري أولاً والأهم للتشويش على ملف المحكمة الدولية ثانياً. لذلك فقد كان من الواضح ان مسألة المحكمة الدولية هي التي تسببت بإسقاط الحكومة، وانه من المنطقي للرئيس ميقاتي ان يستنتج، وقبل قبوله منحة نصرالله، بأن حزب ولاية الفقيه لن يقبل بالمضي في تمويل المحكمة الدولية، وبالتأكيد لن يتعاون مع الاجراءات القضائية الآيلة إلى القبض على المتهمين في جريمة اغتيال رئيس وزراء آخر هو الرئيس رفيق الحريري.
بناء على كل ذلك فإنّ الرئيس نجيب ميقاتي كان يعد اللبنانيين والعالم بالأوهام في مسألة الالتزام بالمواثيق الدولية بخصوص المحكمة الدولية لأن المراقب البسيط يمكنه أن يعلم علم اليقين بأن موقف الحزب لن يتغير لأنه موقف وجودي في ظل الشعارات الفضفاضة التي رفعها ناعتاً المحكمة بأنها أميركية وإسرائيلية، وهذا يعني أنه بقبوله تمرير التمويل، ولو بطريقة مواربة، سيكون مشاركاً بحكومة تمول محكمة أميركية إسرائيلية مما سيضر بمصداقيته على مستوى البروبغندا المتعلقة بالمقاومة وتوابعها من الشعارات التي يستعملها هذا الحزب.
كل ذلك، كان الرئيس ميقاتي قد يتغاضى عنه اليوم لولا الوضع القائم في سوريا، وكلنا نعلم مدى مونة النظام السوري وأركانه على الرئيس ميقاتي، ان تردي وضع هذا النظام على المستوى العربي والدولي أدى الى انهيار دعامة مركزية لوجود الرئيس ميقاتي في السلطة، لا بل على العكس. فقد أوجد رئيس حكومة لبنان نفسه في وضع حرج لأن حكومته أصبحت هي احدى الدعامات الرئيسية للنظام السوري، وهذا يعني ان مسألة الاخلال بالالتزامات الدولية لم تعد محصورة بقضية المحكمة، ولكن تعدتها الى المواقف التي اجبر لبنان على أخذها في مجلس الامن الدولي وفي الجامعة العربية، وقد ظهر الارباك واضحاً على حركة رئيس الحكومة وتعابيره في محاولات تسويغ تصرفات حكومته أمام الدول العربية والعالم. طبعاً كل ذلك قد يستتبع استحقاقات لا طائل للبنان بتحملها إذا فرضت عقوبات على النظام السوري وعلى الأنظمة المتعاونة معه.
لذلك فإنّ الموقف الذي أطلقه الرئيس ميقاتي بالأمس بخصوص استقالته في حال لم يصوت مجلس الوزراء لمصلحة تمويل المحكمة ما هو إلا مؤشر على حراجة الموقف الذي أوجد نفسه فيه والسبب الرئيسي في هذا الموقف هو بالتأكيد ليس الالتزام بالمحكمة الدولية بل قرب انهيار النظام السوري.
مسكين دولته، من كان يتوقع أن يأتي ربيع سوريا ليطيح كل آماله وأوهامه فلم يبق له سوى البكاء على الأطلال.