لعلّ مَرد هذا السؤال عائد بشكل أساسي إلى أنّ حسابات الربح والخسارة بين التمويل وعدمه، بالنسبة إلى منظومة ما يسمّى بالممانعة الممتدة من إيران إلى لبنان، سترجّح في نهاية المطاف كفّة التمويل، لا لشيء إلّا كونه يُمَدّد سيطرتها على السلطة في لبنان.
لا يبدو أن "حزب الله" في وارد تكرار خطأ الرئيس السوري بشار الأسد بتمديده للرئيس إميل لحود، حيث كان باستطاعة النظام السوري تسمية شخصية مارونية تدور في فلكه إلى الرئاسة الأولى، وما أكثرهم، إلّا أنّ العقل الديكتاتوري الذي يعتبر أنّ أي تراجع أمام الضغوط الدولية سيقوده إلى سلسلة تنازلات متلاحقة أدى به في نهاية المطاف إلى التمديد، وخسارة كل ما "راكمه" والده للإطباق على لبنان وسورَنتِه، عوضا عن محاولة الحد من خسائره بالإنحاء تقطيعا للعاصفة الدولية التي تضرب المنطقة. ولكنه خَيراً فَعل بتسريع خروجه من لبنان، هذا الخروج الذي كان سيتحقق عاجلا أم آجلا، انطلاقا من حركة التاريخ واتجاهاته الحتمية.
وما يصحّ على واقعة التمديد، ينسحب على واقعة التمويل، مع اختلاف الظروف وأحجام اللاعبين، لأنّ الإصرار على رفض تمرير التمويل وحشر الرئيس نجيب ميقاتي والدفع باتجاه إسقاط الحكومة، سيفقد الحزب إحدى أبرز أوراقه الحيوية المتمثلة بوضع اليد على لبنان والإمساك بقراره الاستراتيجي، كما ينزع من سوريا ورقة استراتيجية هي بأمَسّ الحاجة إليها في ظلّ عزلتها الخارجية والداخلية. والدليل على ذلك، وقوف لبنان الرسمي إلى جانبها في المنتديات الدولية والعربية، وتصويته ضدّ الإجماع العربي خلافا لدوره وقيمه.
ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل من مصلحة سوريا أن تفقد في هذه اللحظة المصيرية "سندا" لها ؟ واستطراداً، هل من مصلحة "حزب الله" أن يتخلّى طوعا عن سلطة اضطرّته لاستخدام سلاحه في الداخل، وأظهرته على حقيقته الميليشياوية أمام الشعوب العربية والإسلامية، كما التهديد بهذا السلاح وإجراء مناورات على الأرض وما اصطلح على تسميته "محاكاة على الورق"، تمهيدا لاجتياح المقرّات الرسمية والسياسية، وإخراج 14 آذار عُنوة من السلطة والحلول مكانها بقوة الأمر الواقع؟
بالتأكيد انّ الحزب ليس بهذا الوارد، مقابل التنازل فقط عن موقف مبدئي يتعلق بتمويل المحكمة الدولية. هذا الموقف الذي قيل إنه يتسبّب بإحراجه داخل بيئته، لأنه يؤشر إلى علامات ضعف، في الوقت الذي يحرص فيه باستمرار على الظهور بمظهر القوة التي لا تقهر، وكأن بيئته المؤدلَجَة في وارد محاسبته أو مساءلته، هذه البيئة التي تصوّر إخفاقاته بأنها انتصارات، وكبواته بأنها نجاحات، وهي تفوّضه على دمائها ومصيرها.
أمّا القول إنّ موافقته على التمويل تعني إقراره ببروتوكول المحكمة، وإنّ غَضّ النظر اليوم لم يعد مُمكنا، لأنّ حكومة من صناعة الحزب تختلف عن حكومات الوحدة الوطنية، وإنّ موافقته ستدخله حُكما في مسار المحكمة الذي يعلم أين يبدأ، ولكنه يجهل بالتأكيد أين وكيف يمكن أن ينتهي، وغيرها وغيرها من "المخاوف" التي تنتاب الحزب، وهي على صحّتها كونه مَعني مباشرة بالجرائم المرتكبة، بدليل إصدار المحكمة الخاصة بلبنان مذكرات توقيف دولية في حق أربعة عناصر من "حزب الله"، تتّهمهم بالمشاركة في اغتيال الشهيد رفيق الحريري، إلّا أن كل ما تقدم لا يمكن أن يدفعه للتخَلي عن السلطة، خصوصا أنه صاحب شعار "لن يكون في إمكان المحكمة توقيف المتهمين لا في ثلاثين يوما او ستين يوما او ثلاثين سنة او ثلاثمئة سنة".
تأسيسا على ما تقدّم، وفي عملية حسابية بسيطة ومبسطة بين إيجابيات عدم التمويل وخسارة السلطة، وبين التمويل والاستمرار في السلطة، يتبيّن أن المعادلة الأولى غير قابلة للصرف والتسييل السياسي ولا تخرج عن سياق المواقف المبدئية، بينما المعادلة الثانية تتيح للحزب استخدام الشرعية اللبنانية باتجاهات مختلفة، من دعم النظام السوري المتداعي في الجامعة العربية ومجلس الأمن، إلى مواجهة المحكمة عن طريق الحكومة، وما بينهما وَضع اليد على أداة شكلت على امتداد السنوات الخمس الماضية مادة ضغط على الحزب، فضلا عن الإمساك بمفاصل البلد، وإنتاج قانون انتخابي يوفّر للحزب الأكثرية المطلوبة في المجلس النيابي المقبل… ولذلك، إنّ إيجاد الفتوى أو المخرج للتمويل ليس مستبعدا…
لا يعني كلّ ذلك استبعاد احتمال أن يستنسخ الحزب في التمويل تجربة الأسد الابن بالتمديد، باعتبار أن العقلية والذهنية والتركيبة هي نفسها. غير أنه حتى لو صَحّ ذلك، فإنّ أفق استمراره في السلطة بات محدودا جدا، لأنه من غير المسموح للنظام السوري، الفاقِد شَرعيته دوليّا وعربيّا وسوريّا، أن يحظى بشرعية في لبنان عبر حكومة انقلابية وفاقدة للشرعية اللبنانية.
