دخل الاقتصاد نفق المجهول، مع اقتراب شبح سقوط الحكومة، وزيادة الضغوطات على الليرة وظهور الانعكاسات السلبية للأزمة السورية على القطاع المالي في لبنان.
مؤشرات الوهن بدأت تظهر في كل مفاصل الاقتصاد، من السياحة الى الصناعة والزراعة. وحديثاً، يسود تخوف من اضرار تصيب الأسواق المالية والقطاع المصرفي. ومن البديهي ان قطاع المال هو الاكثر حساسية لمجموعة اعتبارات، من أهمها:
اولاً- يرتبط القطاع المالي بعامل الثقة في المقام الأول. وهو عامل نفسي تتحكم فيه نظرة المواطن والمستثمر الى مستقبل البلد. وبالتالي، فان اي اهتزاز في الثقة قد يتحوّل بسرعة قياسية، وعلى غرار كرة الثلج، الى حالة من الرعب تلحق الأضرار الجسيمة بالقطاع، سواء كان الخوف مبرراً ويستند الى وقائع، ام لا.
ثانياً – ان الأضرار التي تصيب القطاع المالي، وعلى رأسه المصارف، تنعكس بشكل مباشر على كل القطاعات الاقتصادية، وتتسبب بخلل وبالمزيد من الركود، خصوصا ان المصارف عمدت في السنتين الأخيرتين الى رفع حجم القروض الى القطاع الخاص، ضمن سياسة التنويع، وخفض نسبة القروض الممنوحة الى الدولة والمساهمة في تحريك مختلف القطاعات الاقتصادية. هذه السياسة قد تتعرّض لنكسة في حال تفاقمت الأضرار التي تلحق بالمصارف بسبب الأزمة السورية، والأزمات الداخلية.
ثالثاً – المالية العامة للدولة، ترتبط جذرياً بالقطاع المصرفي. وكل ضرر يلحق بالقطاع ينعكس على تمويل الدولة التي تستند على المصارف لتمويل عجزها السنوي المتفاقم، وبالتالي اذا تراجع تدفق الرساميل الى المصارف، بنسب خطيرة، يصبح متعذراً عليها تمويل عمليات السواب التي تجريها الدولة لاستبدال الديون. وستكون الخزينة مُلزمة بالتوجُّه نحو الأسواق الخارجية للبحث عن الاقتراض. ومن البديهي ان أسعار الفائدة في هذه الحالة ستكون أعلى، وبالتالي، فان نسب العجز العام سترتفع، وستكون هناك حاجة الى الاقتراض اكثر، بما يؤدي الى تضخُّم سريع في حجم الدين العام. وبالأمس القريب، لفت صندوق النقد الدولي الى ان نسبة الدين العام في لبنان تساوي حوالى 126 في المئة من حجم الناتج الوطني، وهي من اعلى النسب في العالم.
رابعاً – بارومتر القطاع المالي هو الاكثر تأثراً بأي خلل سياسي في البلد ناتج عن أزمات داخلية او خارجية. خصوصاً عندما يتعلق الأمر باضطرابات لا سقف لها، وتوحي بأنها مفتوحة على كل الاحتمالات.
انطلاقا من هذه الحقائق يمكن استشفاف حساسية الوضع المالي الذي قد يواجهه البلد في الايام المقبلة، استنادا الى استحقاقين اساسيين:
أولاً – ملف تمويل المحكمة الدولية.
ثانياً- التعاطي مع العقوبات الاقتصادية العربية المفروضة على سوريا.
في مواجهة الاستحقاقين، يبدو البلد على مفترق طريق. فالموعد الذي ضربه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في 30 تشرين الثاني الجاري يبدو نهائيا. وبعد ذلك اما التمويل او الاستقالة. ومن هنا تبدو الاسواق المالية في حالة اضطراب وحذر، ذلك ان الاستقالة تشرّع الأبواب أمام كل الاحتمالات. ومن المرجّح أن تواجه الليرة في هذه الحالة ضغوطات إضافية في ظل حكومة تصريف أعمال وحالة انتظار للتطورات السورية. يوم الخميس سيكون يوما آخر بالنسبة لليرة والأسواق.
وقد بدا ميقاتي حازما في موقفه حيال الاستقالة اذا لم يُمرّر التمويل، بما أوحى ان الرجل اتخذ قراره، ساء سبقه حلفاؤه لاسقاط الحكومة، ام منحوه هذا الشرف. وقد غلّف ميقاتي قراراه بنظرية حماية لبنان من العقوبات. اذ شرح ان بقاءه اذا لم يتم إقرار التمويل سيؤدي حتما الى فرض عقوبات دولية على لبنان، في حين ان استقالته قد تدفع المجتمع الدولي الى التريث. هذا الموقف يُعيد الى الاذهان ما سبق وتردّد قبل فترة عن خطة أعدها حزب الله، لاستقالة ميقاتي، وعدم تشكيل حكومة بديلة، بحيث تبقى حكومة تصريف الاعمال لمدة طويلة تتجاوز موعد تجديد الاتفاق بين لبنان والامم المتحدة حول المحكمة الدولية في آذار المقبل. وبهذه الطريقة يكون ميقاتي قد حمى نفسه ويكون حزب الله قد نفذ سياسته في عدم متابعة التزام الحكومة اللبنانية بالمحكمة الدولية، ويكون البلد قد نجا من عقوبات دولية تشلّ اقتصاده وتخنقه.
أما في استحقاق العقوبات العربية، فقد حاول رئيس الحكومة ان يخرج بنظرية وسطية مبتكرة. اذ اعلن ان لبنان سيبقى على الحياد في ملف الأزمة السورية، لكنه لن يخرج عن الاجماع العربي، وبالتالي فان لبنان سيلتزم العقوبات الاقتصادية العربية على سوريا شرط الا تؤثر على اقتصاده سلباً. هذه النظرية تفتح المجال أمام الاجتهادات، اذ كيف يمكن الالتزام بالعقوبات، في ظل هذه المعادلة؟ ومن هي الجهة التي ستحدد ما هي العقوبات التي قد تؤثر سلبا على الاقتصاد اللبناني؟ وهل يمكن لجامعة الدول العربية ان توافق على الانتقائية في تنفيذ قرارها، بحيث يختار لبنان من العقوبات ما يناسبه ويلتزم بها، ويضع جانبا العقوبات التي يصنفها غير ملائمة؟
أكثر من ذلك، هل يمكن لجامعة الدول العربية ان توافق على مبدأ عدم تطبيق العقوبات بذريعة انها تضر بالاقتصاد اللبناني؟ فهل العقوبات الاميركية والاوروبية ضد سوريا مفيدة للاقتصاد اللبناني؟ هذه العقوبات مضرة وأفقدت لبنان فرصة جذب المزيد من الاموال، ومع ذلك اضطرت بيروت تطبيقها خوفا من ردة الفعل الاميركية والاوروبية. فهل الامر يختلف مع الدول العربية؟
من الصعب الاعتقاد ان الموضوع اقتصادي بحت، بل هو سياسي بامتياز. وما قاله رئيس الحكومة يعني عملياً ان لبنان سيحاول ارضاء العرب من دن اغضاب سوريا، والعكس صحيح. لكن هذه المعادلة تبدو دقيقه وتشبه الرقص على حافة الهاوية، ومخاطر السقوط ستكون كبيرة مع التنويه بأن الاقتصاد اللبناني سيتضرر فعلا من الالتزام بالعقوبات العربية، خصوصا لجهة الحركة التجارية وتبادل السلع. لكن هذه الاضرار على خطورتها في هذه الظروف الصعبة، تبقى أفضل من زجّ لبنان في نفق العزلة العربية والدولية، وتعريضه لعقوبات من المؤكد انها ستؤدي الى انهيار اقتصاده المرتكز بصورة اساسية على قطاع مالي، لا يمكن ان يستمر ويعيش في غياب الثقة.