سوريا اليوم ليست كما سوريا بالأمس أو بالحري ما عادت كذلك. سوريا ملكت نظام طوال أربعة عقود ولم تملك دولة، اليوم يسعى الشّعب السّوري لتغيير طريقة الحكم برفض بقاء عائلة الأسد رفضا قاطعًا لأنّها جزء من المشكلة. لكن هل يسعى الحكم الأسدي إلى تعديل مصير الثورة ومسار الحكم؟ أم أنّ 23 مليون سوري سيدخلون المجتمع الدّولي لأنّهم قطعوا أكثر من نصف الطّريق؟ فماذا بعد؟
لقد أخطأ الأسد في رمي الاتّهامات على 19 دولة عربيّة، إتّهامات العمالة، وهذه المسألة تحصل للمرّة الأولى في تاريخ العالم العربي، تمامًا كما حصل مع صدام حسين في تسعينات القرن المنصرم حيث كان العرب مقسومين إلى قسمين أساسيين.
أمّا اليوم في الحالة السّوريّة الرافضة للتّقسيم بسبب التداخل السّكاني الرّهيب بين معظم مكوناتها، فمناطق اللون الواحد غير مبرّر، والفكرة الفرنسيّة في تقسيم سوريا سقطت بعد نهاية الحرب الكونيّة الثانية. ومن يحذّر اليوم من هذا التقسيم مثال "حزب الله" و"التيار الوطني الحرّ" وجماعة "8 أذار"، وقف الزّمن عنده في العام 1949.
تغيّرت كلّ وجهات النّظر واليوم يُبحث عن تركيبة نظام جديد، فالأصوليّة في سوريا ضعيفة التنظيم، لأنّ التيارات الإسلاميّة اتّخذت مواقف سلبيّة في العام 1981 أثر حوادث حماة وهذا ما أدّى إلى ضعفها. لكن نلحظ في السياق عينه بأنّ الاسلاميّين اعتبروا بحسب تصنيف معظم علماء الاجتماع من الفاعلين الجدد في المجتمعات. واعتبر هؤلاء الباحثون أنّ دخول الاسلاميين إلى الحكم والمشاركة في السلطة يحدّ من أساليبها الارهابيّة ولتشترك في اللعبة الديمقراطيّة لأنّها أي الديمقراطيّة وحدها، تقدر على تأمين حماية كلّ الناس لا سيّما الأقليّات.
بالعودة إلى موضوعنا الرّئيس، التدويل أم التّعديل، فالأسد صار مرفوضًا من معظم السّوريين، لذلك التّعديل صار من الماضي وحتّى من يُنصّب من حزبه لمتابعة مسيرة البعث مرفوضًا. نسير اليوم نحو التّدويل، فساركوزي في حملته الانتخابيّة التي تعهّد فيها أمام الرأي العام بالدّفاع عن الحريات العامة لا يمكنه أن يتراجع. ودعوة أوباما أيضًا الأسد إلى التّنحي شكّلت مادّة إنتخابيّة لحزبه الديمقراطي. فهذا الرابط تجاه الرّأي العام لا يمكنه أن يفكّ.
ونلحظ أنّ هناك تناقض في مسألة التّدويل، فما من دولة تريد أن تتدخل على حدود إسرائيل لأنّ إسرائيل بدورها لا تريد وجود عسكريّ غريب بجوارها. ونشير أيضًا إلى أنّ ممارسات بعض الدّول في المسألة الليبيّة التي تجاوزت فيها قرارات مجلس الامن لذلك يُخاف من التّدخّل العسكري في سوريا لأنّه قد يتعدّى القرارات الدّوليّة، لذلك التّريّث في تأمين الغطاء الدّوليّ الكافي من قبل كلّ المجتمع بات مسألة معقّدة. كما نشير إلى أنّ معظم الدّول تخاف من دخول سوريا وفي شمالها دولة العراق التي سينسحب منها الأميركيّون وفي غربها لبنان دولة عدم الاستقرار السّياسي وفلتان السلاح، مع الاشارة إلى أن تركيا وحدها المرشّحة لإنشاء مناطق عازلة كمرحلة أولويّة قد لا تكتفي بهذه المسألة فقط بل قد تتعدّاها لضربات جوّيّة في حال تماشت قيادة الجيش التركي مع مبادئ وتهديدات أردوغان، مع الاشارة إلى أنّ أردوغان عمل منذ توليه الحكم على تغيير كلّ قيادات الجيش التركي لتتماشى وسياسته، فضلا عن التناغم التّركي اليوم مع الجامعة العربيّة فما يقرره العرب ستنفّذه تركيا. لكن القيادة التركية ما تزال تدرس مخاطر التدخّل العسكريّ.
في نهاية المطاف، التّعديل مرفوض رفضًا قاطعًا، فنحن أمام تدويل ليس فقط في سوريا بل هذا التدويل سيتعدّى الحدود السوريّة ليصل إلى لبنان الذي ما زال عاصيا على القرارات الدوليّة وفي مواجهة مع المجتمع الدّوليّ بالمطلق. وفي هذا السّياق ألم يقتنع بعد البرتقاليّون وحليفهم حزب الإنقلاب بنهاية حقبة الديكتاتوريّة وبداية حقبة الديمقراطيّة في ظلّ وجود طبقة سياسيّة آمنت بأنّ الارتباط بالخارج يؤمّن لها ديمومة وجودها؟ وفي ظلّ هذه التّحوّلات الإقليميّة وتعدّد الملاعب السياسيّة ألم تدرك بعد جماعة "8 آذار" بأنّ الساحة لم تعد مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر ومرتفعات الجولان؟ نأينا بأنفسنا أمام المجتمع الدّولي اليوم سيؤدّي حتما إلى زوال الكيان اللبناني. ومن له أذنان سامعتان فليسم.