تأملت كثيراً في الفيلم البعثي السوري المركب الذي عرضه وزير خارجية النظام وليد المعلم في مؤتمره الصحافي بعد ظهر الاثنين 28 تشرين الثاني.
تأملت في مدى قدرة هذا النظام على اختلاق الأكاذيب وتحوير الوقائع وتركيب الأفلام فقط لمحاولة تمرير ما يريد، وهو يظن أن الرأي العام سيصفق له، على الأقل لأنه اعتاد أن يصفق الناس له تحت وطأة الترهيب والتهويل.
عادت بي الذكرى لأعوام خلت، لمرحلة الاحتلال السوري للبنان، حين كان النظام إياه يفبرك ويركب ويدبّج وينفذ سواء مباشرة بواسطة مخابراته أم بواسطة الأجهزة الأمنية والقضائية والعسكرية اللبنانية.
عدت بالذاكرة الى تفجير بيت "الكتائب اللبنانية" في الصيفي، ومن ثم تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل وما تلاها من بث للرعب في محيط الكنائس…
ورحت أستعرض مسار المحاكمات المخزية التي تعرّض لها الدكتور سمير جعجع وكل الرفاق… صليّت عن روح فوزي الراسي الذي خانه قلبه تحت التعذيب في أقبية وزارة الدفاع اللبنانية.
هل تذكرون؟
هل تذكرون جريس الخوري والروايات التي فبركوها عن لسانه؟
هل تذكرون كيف كانوا ينتزعون التوقيع على إفادات كاذبة ومفبركة ومركبة تحت التعذيب بشتى أنواعه؟ هل نسيتم البلانكو والكرسي والفروج وغيرها وغيرها من أساليب التعذيب الوحشية؟
هكذا حاول النظام البعثي بكل أدواته تركيب الملفات على "القوّات اللبنانيّة".
إسألوا الزميل زافين قيومجيان كيف تم تركيب حلقة 30/31 عبر "تلفزيون لبنان" (بعدما كان تم وقف الأخبار والبرامج السياسية عن كل المحطات الخاصة بحجة تنظيم الإعلام) وذلك بهدف إعادة بث مشاهد جريمة اغتيال رئيس حزب "الوطنيين الأحرار" الشهيد داني شمعون وعائلته واستثارة مشاعر المسيحيين للترويج لاتهام سمير جعجع باغتياله…
إسألوا كتاب "السفير" في ذلك الزمن الرديء وكيف كانت تكتب مانشيت الصحيفة وفي أي مطبخ ومن كان يسرّب أخبار التحقيقات المزعومة…
إسألوا بعض كتاب "الديار" عن الذين كانوا يغدقون عليهم المعلومات المفبركة عن التحقيقات بهدف الترويج لتورط سمير جعجع واتهامه…
أما في المحاكمات فحدّث ولا حرج…
إسألوا فيليب خيرالله كيف كان يجاهر بأن المحاكمات ستكون علنية ومفتوحة ليحضرها من يشاء من المواطنين ومن الاعلام، وكيف بعد قدوم العقيد جان سلوم يومها الى مكتبه والاجتماع به لدقائق أصدر قراره المشؤوم بأن المحاكات ستكون مغلقة وحضورها يستلزم تصريحاً من مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، وكيف تم منع الاعلام من تصوير ما يجري داخل قاعات المحكمة، وكيف تمّ حصر الموضوع بما تقرر مديرية المخابرات تسريبه الى الاعلام من صور.
إسألوا القضاة كيف طالبهم عدد من الشهود بأن يمنحوهم الحماية ليشهدوا بما يعرفونهم وكيف كانوا يجيبونهم داخل قاعة المحكمة بأن "لا علاقة لنا بما يحدث خارجة هذه القاعة"!
إسألوا عن عدد الشهود الذين رفضوا بيع ضمائرهم وشهدوا للحق في المحكمة وكيف كان نصيبهم الاعتقال عند خروجهم من باب قصر العدل الى دهاليز التعذيب.
إسألوا كيف منعوا المحامين من أداء دورهم. إسألوا كيف كان يرفض القضاة إعادة استدعاء شهود بعد أن يتبيّن كذبهم.
إسألوا عن الفيلم الشهير الذي انتجه ذلك النظام لإعترافات الدكتور توفيق الهندي تحت الترهيب والتعذيب لأقناع اللبنانيين بـ"روايته المفبركة بشأن اسباب إعتقاله في 7 آب، ووزعه خلاف للقوانين اللبنانية.
كل هذه الفبركات والتركيبات تولاها النظام الأمني السوري- اللبنانية بإشراف من ضابط المخابرات جميل السيّد… فهل تستغربون؟
وهل تستغربون انفضاح عدد كبير من القضايا اليوم وغدا وبعد غد؟ هل تستغربون على سبيل المثال ما نُشر عن قضية اغتيال الرئيس رشيد كرامي وتورط شخصيات سورية في الجريمة؟
وهل بقي أحد لا يعرف من هي الجهة التي نفذت اغتيال الشهيد داني شمعون بعدما كانت راقبته لأيام طويلة؟ ولماذا كان داني يعمل على الانتقال للسكن في كسروان؟
وهل ثمة من لا يعرف بعد من فجّر كنيسة سيدة النجاة؟ ولأي أهداف؟
وهل ثمة ما هو غير معروف في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رينيه معوّض الذي نحيي ذكراه الثانية والعشرين؟ وهل… تكرّ الأسئلة والسبحة لا تنتهي.
إنهم المجرمون أنفسهم الذين اغتالوا الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونفذوا كل الجرائم التي استهدفت رجالات الاستقلال الثاني.
في اختصار، الفيلم السوري البعثي الطويل شارف على نهايته، وكل الحقائق ستسطع بعدها في ظل انكشاف كل تركيباتهم. وما الذي حصل في المؤتمر الصحافي لوليد المعلم سوى أول الغيث… والآتي أعظم!