مع دخول النظام السوريّ الفصل الأخير من وجوده، بدأت القوى السياسية اللبنانية على اختلافها التفكير في مرحلة ما بعد سقوط هذا النظام، والمسؤولية في هذا الاتّجاه ملقاة بشكل أساسيّ على عاتق قوى 14 آذار، لأنّ وجهة نظر "حزب الله" قديمة ومعروفة سلفا، وبالتالي يقتضي إسقاطها من الميزان أو الحسبان السياسيّ ليس لأنّها غير مهمّة، إنّما لكونها تنطلق حكما من واقع البحث عن كيفية الحفاظ على مكتسبات الحزب، هذه المكتسبات التي يشكّل أيّ إقرار أو تسليم بوجودها ضربا لمشروع الدولة في لبنان، كما إبقاء هذه الدولة معلّقة إلى ما لا نهاية.
ومن هذا المنطلق، فإنّ مسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية وما بعدها تتوقف على الحركة الاستقلاليّة لاعتبارات عدّة أبرزها:
أوّلا طبيعة المرحلة السياسيّة من زاوية أنّ الربيع العربي أعاد الاعتبار لمشروع 14 آذار على حساب المشروع الآخر، وذلك على غرار الحقبة الممتدّة من صدور القرار 1559 إلى انتفاضة الاستقلال، ما يضع هذه الحركة في موقع الفعل لا ردّ الفعل ويمنحها القدرة على المبادرة واجتراح التسويات.
ثانيا طبيعة المواجهة السياسية المحصورة بين 8 و14 آذار وفشلُ كلّ المحاولات الرامية إلى القفز فوق هذا الانقسام العمودي إنْ بإطلاق العنان لتمنّيات أجهضتها الوقائع بأنّ 14 آذار انتهت، أو بالترويج لوسطيّة لم تتمكّن من حجز موقع وازن لها داخل المعادلة الوطنية، وذلك لسبب بسيط لأنّ الانقسام القائم ليس على السلطة، إنّما بين مشروعين سياسيّين لا حلّ وسطيّا بينهما.
ثالثا طبيعة المشروع السياسي الذي تحمله الحركة الاستقلالية، والذي اختصرته في أحد مهرجاناتها بـ"العبور إلى الدولة".
تأسيسا على ما تقدّم، يفترض بـ 14 آذار أن تطرح، اليوم قبل الغد، رؤيتها الوطنية أو الإنقاذية للبلد، وعدم انتظار منحى التطوّرات السوريّة، لأنّ اتجاه الأحداث بات محسوما، ولكي لا تتّهم بتعويلها على مؤدّيات هذه التطوّرات من أجل إرساء مشروع غلبة في الداخل.
لا شكّ أنّ الطرف المعنيّ، أي "حزب الله"، ليس بوارد التجاوب مع المبادرة الـ14 آذاريّة الخلاصيّة في هذه اللحظة السياسيّة المصيرية، خصوصا بعد وصول خياراته الخارجية إلى الطريق المسدود، إنّما المقصود بالمبادرة تطمين البيئة الشيعية والربط مع المرحلة المقبلة عبر الالتزام أمام الرأي العام بمجموع المبادئ المؤسّسة لانتفاضة الاستقلال والقائمة على خيار "لبنان أوّلا" و"الدولة أوّلا" وكلّ ما يتفرّع عنهما تحت عنوان الدستور والشرعيّة والمؤسّسات…
إنّ أيّ تلكّؤ من جانب قوى 14 آذار في المبادرة إلى طرح رؤيتها الوطنية يخشى أن يقودها إما إلى رفع السقف من دون الأخذ في الاعتبار الوقائع على الأرض وموازين القوى، أو التنازل تحت عنوان الاستقرار ولملمة الوضع، خصوصا أنّ انهيار النظام السوري لا يعني أنّ الأمور انقلبت جذريّا، لأنّ التحوّلات لا تتمّ، غالبا، بشكل تلقائيّ، إلّا على قاعدة وجود فريق غالب وآخر مغلوب، وفي هذه الحال يستحيل أن يستقيم مشروع الدولة الذي يجب أن يكون الضامن لكلّ الجماعات والقوى السياسية.
قد يتطلّب التكتيك السياسي، ربّما، طرح سقوف قُصووية للوصول إلى الحلول الوطنية المطلوبة، ولكنّ 14 آذار ليست بحاجة إلى هذا التكتيك السياسي، لأنّ طروحاتها غير قابلة للبازار السياسيّ أو المفاوضة السياسيّة، وبالتالي من الأجدى طرح المسائل على ما هي عليه، باعتبار أنّ الالتزام بخيار الدولة والدستور ودور لبنان هي من البديهيّات السياسية.
هذا الكلام لا يعني العودة إلى نغمة "أم الصبي"، ولا يعبّر عن ضعف في الموقف السياسيّ، إنّما المقصود أن تبادر 14 آذار بمَدّ اليد أوّلا، وتحديد السقف السياسي ثانيا، ورسم معالم المرحلة الانتقاليّة وما بعدها ثالثا، عبر وضع برنامج مرحليّ وخريطة طريق لـ"العبور إلى الدولة"، وهذا العبور يفترض بالشريك الوطنيّ أن ينضمّ إلى هذا المشروع، وانضمامه بعد انتفاء خياراته الإقليميّة يصبح مرجّحا، إنّما في حال تمسّكه بموقفه الرافض الانضمام إلى المشروع الذي يشكّل نقطة التقاء وتقاطع اللبنانيّين، أي الدولة، لا يجب التنازل للحزب تحت عنوان الاستقرار، بل التمسك بالثوابت الدولتيّة واستكمال المواجهة السياسيّة حتى قيام الساعة… لأنّ عدم الاستقرار بأفق النضال وصولا إلى خيار الدولة يبقى أفضل ألف مرّة من الاستقرار المزيّف والمساكنة الذمّية مع دولة وصاية أو دويلة وصيّة… والتجربة ما بين عامَي 2005 و2011 خير دليل وبرهان…
