كتب حسين زلغوط في صحيفة "هل عاد الجنوب اللبناني إلى دائرة التصويب من جديد وتحويل أرضه إلى صندوق بريد للرسائل الإقليمية والدولية، أم أن ما جرى بالأمس من إطلاق للصواريخ باتجاه اسرائيل والردّ عليها بقصف مدفعي طال أحراج قرية عيتا الشعب المتاخمة للشريط الحدودي هو حدث آني ناجم عن عمل فردي لا أكثر ولا أقل.
من المؤكد أن لا صلة لحزب الله بإطلاق صاروخ "الكاتيوشا" و هو إن فعل فإنه يجاهر بذلك ولا يُنكر كون أن صراعه مع العدو الاسرائيلي مفتوحاً، وبالتالي فإن من قام بهذا العمل "البدائي" تصرّف بشكل فردي أكان شخصاً أم مجموعة ربما يكون هدفها التشويش على حالة الاستقرار التي يعيشها الجنوب والتي تؤكدها قيادة "اليونيفل" بتأكيدها أن الوضع الأمني على مساحة جنوب الليطاني هو نموذجي.
لقد حصلت أحداث مشابهة في السابق وبقيت مراميها غامضة ولم يكشف عن الجهات التي قامت بهذا العمل، وهذا لا يُبرّر تكرار مثل هذه الحوادث، التي إن تفاقمت تضع لبنان مجدداً على كف النار.
ومن نافل القول أن المتضرر الأوحد من هذه الأفعال هو حالة الاستقرار التي ينعم بها الجنوب منذ العام 2006 إلى الآن، وأن المعطيات والحراك الميداني للجيش واليونيفل في اعقاب اطلاق الصاروخين والعثور الفوري على قاعدة اطلاقهما البدائية يُؤكّد ان الوضع الأمني في المنطقة ممسوك وأن مثل هذا الخرق المحدود لن يؤثر على المناخ الموجود، وأن الإجراءات التي اتخذت ستساهم إلى حدّ ما في تضييق الخناق على الجماعات التي تقوم بمثل هذه الأعمال.
وفي رأي مصدر وزاري أن ما جرى في الجنوب لا يخرج عن إطار توجيه رسالة في أكثر من اتجاه في هذا الظرف الذي تمر فيه المنطقة ولبنان، وأن من قام بهذا العمل رمى إلى إظهار أن الوضع الأمني غير ممسوك وغير مستقر، وأن هناك من الجماعات التي تملك القدرة على "خربطة" هذا الوضع في أي وقت تشاء بالرغم من كل التدابير والإجراءات المتخذة من قبل الجيش وقوات اليونيفل.
وإذ يستبعد المصدر أي صلة بإطلاق الصواريخ بالأزمة في سوريا، وبقرار العقوبات الذي اتخذته الجامعة العربية بحق دمشق، فانه يُؤكّد أن لا مصلحة لبنانية في هذا العمل خصوصاً في هذا الوقت بالذات، وأن من قام بهذا الفعل اراد إرباك الوضع اللبناني الداخلي اكثر منه إلحاق الأذى بإسرائيل خصوصاً وأن الصواريخ التي أطلقت غير ذي فعالية، وانها لم تصل إلى مواقع محددة بل كانت عشوائية.
وفي تقدير المصدر الوزاري أن الحدث سيقف عند هذا الحد ولن يكون له أية مفاعيل على شاكلة عودة إسرائيل إلى توجيه نيران اسلحتها وقذائفها في اتجاه الجنوب على سبيل المثال، كما انه لن يؤدي إلى هزّ المعادلة القائمة في الجنوب في الوقت الراهن، وأن مهمة مطلقي الصاروخين كانت فقط البعث برسالة "تشويشية" غير مفهومة الأغراض الحقيقية الكامنة وراءها.
ويلفت المصدر نفسه الى سوابق مماثلة حصلت، حيث اطلقت عدة "صليات" صاروخية من لبنان باتجاه الاراضي الفلسطينية الممثلة تزامناً مع حصار غزة، ولم يتوسع نطاق هذا العمل وقامت القوات المشتركة من الجيش واليونيفل بالسيطرة على الوضع من خلال اجراءات محددة اتخذت حالت آنذاك من تكرار هذا العمل، وهذه الاجراءات ستتكرر الآن وان هناك توجها صارما بضرورة إبقاء الوضع الامني على النحو الذي هو عليه اليوم هو محط تقدير القوات الدولية العاملة في الجنوب، مع التأكيد ان هذا الفعل لا يشكل خرقاً للقرار 1701 الذي يحرص لبنان على الالتزام به ولطالما طالب الامم المتحدة بالضغط على اسرائيل لكي تلتزم من طرفها بهذا القرار.
وفي الوقت الذي لم يقلل فيه المصدر الوزاري من خطورة ما حدث فإنه لم ير في الافق ما يشير الى امكانية توسع نطاقه، او ان تتجرأ اسرائيل على القيام برد فعل يتجاوز ما قامت به لحظة سقوط الصاروخين، سيما وان أي طرف لبناني لم يعلن مسؤوليته عن العملية.
ولم يسقط المصدر من الحسابات امكانية ان تكون عناصر تعمل لصالح اسرائيل قامت بإيعاز منها بإطلاق الصواريخ لكي يتهم لبنان بأنه عاجز عن الامساك بزمام الوضع الامني وبأنه لا يلتزم بالقرار 1701 وبالتالي يبرر لها أي عمل عسكري قد تقوم به ضد لبنان، اضافة إلى خلق واقع مربك في الجنوب يهز العلاقة القائمة بين اليونيفل والجيش اللبناني وبين اليونيفل واهل الجنوب وهي علاقة حاولت اسرائيل اكثر من مرة وبطرق مختلفة ان تجعلها متوترة بشكل يؤدي الى تعديل مهام قوات اليونيفل بما يتلاءم ووضعها الامني على الحدود مع لبنان، غير ان هذا التوجه لدى اسرائيل من غير الممكن ان يؤدي غرضه طالما ان لبنان جيشاً وشعباً في الجنوب يعي حقيقة المرامي الاسرائيلية وبالتالي فإن العلاقة مع قوات اليونيفل تترسخ يوماً بعد يوم على اكثر من صعيد.
وشدد المصدر على ضرورة مسارعة الجيش إلى الامساك بزمام الامور وقطع الطريق على من تسول له نفسه تحويل الجهة الجنوبية من جبهة مستقرة إلى جبهة متوترة لان ذلك لا يصب في خانة المصلحة اللبنانية بقدر ما يخدم اسرائيل التي تنتظر بفارغ الصبر الفرصة من أجل الثأر من لبنان عن هزيمتها في حرب تموز من العام 2006.