حكومة لبنان الحاليةُ لا تَحكم، لا تحاسِب ولا تحاسَب، تقاطع نفسَها وتنقطع عن نفسِها، ورغم وعودِها لا تشرّع ولا تعيّن ولا تقوم بعملها الاجتماعي والاقتصادي والانمائي.
منقسمة على ذاتها، لا تعرفُ التضامن الوزاري، يتناكف وزراؤها ويستقوَون عليها، لا تجمعُها الإيجابيات ولم تأتِ على أساسِ مشروعٍ، وما يفرِّق وزراءَها أكثرُ مما يجمعُ بينهم، ومَن يديرُها موجودٌ خارجَها…
حكومة لا تفي بالتزاماتِ لبنانَ، ولا تلتزم بالمواثيق والأعراف العربية والدولية، وتخرج على الإجماع العربي، وتخترع موقفَ النأي بالنفس عن القرارات العربية، وتقاطع الجلسات الدولية…
إنها حكومة لا تحكم، بفعل مكوناتها وبفعل اعتبارات تكوينها.
بالأصل يجب على الحكومة أن تكونَ متضامنة، يجب أن يكونَ تدعيمُ الإستقلال وبسطُ سيادة الدولة وتعميمُ سلطة القانون شغلَها الشاغل، يجب أن يكونَ إسمُ لبنانَ وصيتُه والتزاماتُهُ فوقَ كلِّ اعتبار، يجبُ أن يكونَ الهمُّ الاجتماعيُّ والاقتصاديُّ والانمائيُّ همَّها الأساسي…
أما حكومتُنا فهذه ليست همومُها: خطوطُ الهاتفِ الخليويّ في أسوأ حالاته، الطرقاتُ تآكلّها الإهمالُ، والازدحامُ حرقَ ما تبقى من أعصاب، ومن مال، ومن وقت لا تَحسَبُ له الحكومةُ أيَّ حساب، والأجورُ وزياداتُها نالَ منها الغلاءُ المستفحلُ، والحدودُ سائبة، والوضعُ الاقتصاديُّ متأزِّمٌ، والكهرباءُ شبهُ غائبة، والأمنُ غيرُ ممسوك، والنموُّ في تراجع، والاستدانةُ مفرَطةٌ، والخططُ الحكوميةُ غائبةٌ والموازنةُ العامةُ تنتظرُ الفرجَ… وحيالَ ذلك كلِّهِ نرى الوزراءَ يتلهَون بالخطابات والعنتريات والنظريات والحرتقات والخلافات…
الناسُ لا يهتمون بخلافات ومشاكل الوزراءِ ومَن وراءَ الوزراء، الناسُ يهمهم أن تعملَ الحكومةُ بشكل جيد، أن تضعَ المشاريعَ وتنفذَها، أن تضبطَ عملَ الإدارة، أن تُنجزَ التعيينات، أن توقِفَ الهدرَ، أن تَخلقَ فرصَ عملٍ جديدة، أن تحدَّ من التضخم، أن تلجُمَ الأسعارَ، أن تؤمِّنَ الضماناتِ، أن تبعدَ الأخطار…
السلطةُ التنفيذيةُ ليست جاهاً ولا سُلطاناً، ليست وسيلةً للفوزِ في الانتخاباتِ أو لاستمالةِ الناخبين، وهي ليست بالتأكيد توسيعاً لدائرة نفوذٍ أو عملاً شعبويّاً، وانما هي تخطيطٌ ورؤيةُ وعملٌ دؤوبٌ وجهدٌ وكدٌّ في سبيلِ الصالحِ العام.
ما عادتِ البلادُ تحتملُ، أعصابُ الناس احترقت، وتشوَّشتْ عقولُهم، وضُرِبَتْ مصالحُهم، وتملّكَهم الخوفُ والقلقُ، وصارَ التوترُ مُلازماً لحياتِهم.
الناس لا يريدون حكومةً لا تحكمُ، وهذا حقُّهم، وفي النهاية هم أصحابُ الربطِ والحلّ، ولا قوة على الأرض تقدر أن تفرض على الناس ما لا يريدون.
إستمع إلى فقرة "بلا ضوابط" ![]()