نجح الرئيس نجيب ميقاتي بتمويل حصة لبنان المستحقة من موازنة المحكمة الدولية الخاصة بعد أن ربط تنفيذ الخطوة باستقالة حكومته، التي تتمسك دمشق المحاصرة ببقائها، رغم معارضة "حزب الله" المطلقة تمويل محكمة اتهمت أربعة من مسؤوليه بالتورط في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ويعتبرها محكمة "اسرائيلية – اميركية".
وسمحت ضغوط دمشق، المحاصرة بعقوبات سياسية واقتصادية عربية وتركية واوروبية واميركية، على حلفائها في لبنان، لرئيس الحكومة بتمرير التمويل لصعوبة تشكيل حكومة جديدة في ظل الانقسام الراهن، ولحاجتها الماسة الى حكومة تعارض القرارات الدولية او العربية بحقها، ولا تكون خاضعة لعقوبات حتى تشكل رئة تتنفس منها سوريا مع بدء تطبيق العقوبات.
فقد عقدت أمس الاربعاء اللجنة المختصة أول اجتماعاتها في مقر الجامعة العربية في القاهرة للبحث في موعد دخول قرار الوزراء وقف الرحلات الجوية إلى سوريا حيزّ التنفيذ ولوضع قائمة بالسلع الاستراتيجية التي يحتاج اليها الشعب السوري ليتم استثناؤها من قرار وقف المبادلات التجارية.
وتزامن ذلك مع بدء تطبيق سيل العقوبات من تركيا اولاً التي علقت عمل مجلس التعاون وجمدت اصول الحكومة والتعامل مع مصرفها المركزي وفرضت حظر السفر على كبار المسؤولين، تلتها الإمارات العربية المتحدة بإعلانها تعليق رحلات خطوطها الجوية ابتداء من الاسبوع المقبل. وسبق ذلك دعوة المملكة العربية السعودية رعاياها الى مغادرة الأراضي السورية "بسرعة".
ويتساءل سياسي لبناني متابع عما إذا كانت سوريا ستستمر في حماية حكومة الرئيس ميقاتي عندما يحين وقت تطبيق لبنان العقوبات العربية بحقها.
فقد ورد الالتزام بتنفيذ العقوبات على لسان الرئيس ميقاتي شخصياً، بقوله مؤخراً إن لبنان لا يمكنه فرض عقوبات على سوريا لكنه لن يعزل نفسه عن المجتمعين العربي والدولي في حال صدور مثل هذه العقوبات. وهو ما جدد تأكيده أمس الأربعاء وزيره المقرب نقولا نحاس بتشديده على أن لبنان ملزم تنفيذ العقوبات التي أقرتها الجامعة العربية وبالتالي سيستمر بالتعامل مع القطاع الخاص لكن التعاطي سيتوقف مع الحكومة السورية ومصرفها المركزي. سبق ذلك إعلان وزير الخارجية عدنان منصور أن بلاده غير معنية بهذه العقوبات.
فعشية انتهاء المهلة الممنوحة للبنان للتمويل، أعلن الرئيس ميقاتي أمس الأربعاء تحويل الاموال صباحا من دون أن يكشف عن السبيل الذي اتبعه من خارج المؤسسات الدستورية، سواء مجلس الوزراء او مجلس النواب، وسط ترجيحات أنه قد تمّ من احتياطي رئاسة الوزراء وهو ما لا يتطلّب مشاركة وزراء او نواب "حزب الله" وحلفائه في الموافقة على التمويل. وقد كشف النائب سليمان فرنجية، حليف "حزب الله، عن مساندته اعتماد الرئيس ميقاتي مخرجاً للتمويل لا يحرج فريقه السياسي حتى لا تصل الأمور إلى الاستقالة. لكن "حزب الله" سيكون فعليا في حال هزيمة سواء وافق على التمويل أو سقطت حكومة كانت له فيها اليد الطولى.
فإذا كانت حاجة سوريا إلى الحكومة قد محت الخطوط الحمر التي واصل "حزب الله" رسمها منذ اسقاطه حكومة الرئيس سعد الحريري فإن لذلك سبباً إضافياً يتمثل بالضغوط التي مارستها "قوى 14 آذار" من أجل التمويل.
وفي أول رد فعل على الكشف عن تحويل المستحقات، رأت المحكمة الدولية الخاصة أن ذلك "مشجع للغاية"، مؤكدة انها ستعلن رسمياً عندما تتسلمها. وقد اعتبر "تيار المستقبل" الأمر "خطوة في الاتجاه الصحيح" ورأت الامانة العامة لقوى 14 آذار فيه "انتصارا لمبدأ التمويل" رغم استنكارها للصيغة التي تم فيها.
وقد جاء الاعلان الميقاتي بعد ساعات قليلة على إرجاء جلسة الحكومة التي كانت مقررة لبعد ظهر اليوم نفسه وعلى جدول اعمالها بند التمويل، من دون تحديد موعد جديد.
ويتساءل السياسي اللبناني المتابع عن سبب الإرجاء طالما أن التمويل قد تمّ وما إذا كان قد اتّخذ التوافق مع مكونات الحكومة التي يملك "حزب الله" وحلفاؤه اغلبية مقاعدها طارحاً علامات استفهام كبيرة عن مصير الجلسات المقبلة.
بالمقابل تتوالى دلائل هزيمة النظام السوري بسبب عدم نجاحه بوقف الثورة المتواصلة منذ ثمانية أشهر رغم قمع دموي اسفر عن سقوط أكثر من أربعة آلاف ضحية.
من أبرز هذه الدلائل إقراره بانتهاء دوره الاقليمي عبر دعوة صحيفة "الوطن" المقرّبة منه إلى اعتماد شعار "سوريا أولا" وهو شعار منسوخ عن "لبنان أولاً" الذي تنادي به "قوى 14 اذار ويعتبره حلفاء سوريا انعزاليا. وكذلك لجوؤه إلى تزوير أشرطة فيديو أراد عبرها أن يبرهن وجود "ارهابيين" على أرضه.
في هذا الوقت تواصل دمشق اتباع سلوكها المعتاد بالمماطلة فيميّز وزير خارجيتها وليد المعلم بين المبادرة العربية وبرتوكول مهمة المراقبين: بلاده متمسّكة بالمبادرة التي سبق لها أن وافقت عليها ثم تملصت منها وهي ترفض أصلاً البروتوكول الملحق بها . كما يكشف عن تخلي سوريا عن الديبلوماسية الهادئة، وهو ما تزامن مع اطلاق صواريخ من جنوب لبنان على الجليل الغربي.