لم يكن "عارض" تمويل المحكمة آخر عوارض وجروح حكومة "حزب الله". كما لم يكن أوّلها ولا سببها ولا الباب الذي ولجت منه للاصطفاف في منظومة دول المحور الممتد من بحر قزوين إلى البحر المتوسط.
.. لكنه مع ذلك، عارض مفصلي، يأتي ليؤكد بديهيات مُثلى وعالية المستوى، حاول ويحاول الانقلابيون القفز فوقها، والافتراض أنّها لا تساوي شيئاً.. بل هي في عُرف الزبدة النخبوية لمفوّهي وناطقي ومذيعي أدبيّات وخبريّات الممانعة وأهلها، لا تساوي "مداس" الأرض، ولا شيء بينها وبين تلك الأرض إلاّ ذرات غبار لا تُرى بعين مجرّدة.
إفترضَ هؤلاء في جملتهم، ولا يزالون إلى اليوم في مناسبة الحديث المستدام عن العقوبات اللاحقة بسلطة دمشق، أنّ قرارات الشرعيّة الدوليّة يمكن أن تُرمى بسهام الصوت العالي فتسقط! أو يمكن أن يُنظر إليها شذراً من مخزن للصواريخ فتهرّ لوحدها من شدّة الرجفان! أو أنّها بعد ذلك، أو قبل ذلك وفوقه وتحته وكيفما مالت الدفّة، يمكن أن يتم التعامل معها كما يتم التعامل مع قرارات أي شرعية قائمة محلية أو اقليمية، بتشاوف وتذاكٍ وإرهاب وتقطيع وقت حتى تصير في حالة كأنّها ما كانت ولا قامت لا أصلاً ولا أساساً ولا لغة ولا حاجة!
حاول "بطل" المواجهة الراهنة (الافتراضي) أن يربط موقفه من قصّة التمويل بسياق وطني عام، فهو ضنين بالوحدة الوطنية وحريص عليها من التفتت والتشظي والتشرذم! وحاول متصدياً لدور أوّل، أن يغطّي مَن هم أكبر منه في هذا المقام، ويغطّي موقفهم هم من المحكمة والتمويل وقصة العدالة كلها. بل هو جاء أصلاً لتلك الغاية وليس لغيرها، وراهن في سياق مراهناتهم هم، أهل السلاح والانقلاب، على فرض أمر واقع يناقض كل المعطيات التي تراكمت على مدى ست سنوات نتيجة تراكم وتصاعد الاغتيالات والتفجيرات، وفي موازاتها تراكم وتصاعد النَفَس السيادي والاستقلالي اللبناني..
.. حاول وأُحبط، وقبل أن يصطدم بحائط الصدّ الدولي والاقليمي والمحلّي ويندفع إلى لعب دور المنقذ من جديد! اصطدموا هم بتلك الصدود وحصدوا قبله زوان مواقفهم: لولا انقلاب الدنيا على انقلابهم وسلطاتهم لوصلت سيرتهم إلى مبتغاها، وتلك لم تكن لتكتفي بملاحقة الأموات في قبورهم، بل أرادت إقفال بيوت سياسية وتنظيمات سيادية وحالات استقلالية، وطمس معالم علقت على حواشي مشروعهم المحوري الرابط طهران ببيروت مروراً ببغداد ودمشق!
لا أوهام في هذا المقام ولا تبسيط كلام ولا ضرب بالحرام، ولا قراءات مبتسرة وقاصرة وخجولة أو وَجِلة: الانكسار في قصّة تمويل المحكمة جزء (لا يُستهان به) من انكسار سيبة ذلك المشروع في سوريا قبل غيرها. أمّا الباقي فليس إلاّ تزويقات مُضافة على ذلك النصّ الأصلي، حتى لو كانت من نوع تشدّق طربوش الانقلاب والانقلابيين بالمصلحة الوطنية العليا، أو بالعدالة أو بقصّة الفتنة الموؤودة إيّاها!
.. على هامش تلك التزويقات يمكن الإمعان، والإكثار من ذلك الإمعان، ومن الآن حتى إشعار آخر رنّان، في قراءة معنى الهزيمة النكراء (فعلاً) التي أصابت الممانعين في الصميم ازاء المحكمة وعملها وسيرورتها، علماً أنّ "الجهد" الجبّار الذي بذلوه على مدى سنوات لتحطيم ذلك الحائط، لم يؤد مرّة أخرى إلاّ إلى زيادة بواعث ذلك التمعّن في قراءة تلك الهزيمة، وكيف أنّها قد تصير في أدبياتهم يوم غد أو بعده، نصراً إلهياً لا قبله ولا بعده!؟