#adsense

واشنطن وباريس كانتا الأكثر قلقاً من تداعيات الاستقالة… “السفير”: “قطبة مخفية” تمرر “تفاهم التمويل” وتطيل عمر الحكومة

حجم الخط

كتب نبيل هيثم في صحيفة "السفير": مع حسم نجيب ميقاتي معركة تمويل المحكمة الدولية، لمصلحته، يضيف إلى رصيده السياسي ما يعتبره واحداً من أكبر الإنجازات، لكونه يسجل من خلاله مجموعة أهداف بتسديدة واحدة، أولها حماية مصالح لبنان وتأكيد احترامه التزاماته أمام المجتمع الدولي، وثانيها، نزع فتيل التمويل الذي لطالما أشعله سعد الحريري وفريقه في وجهه للنيل منه سياسياً بشكل عام وفي البيئة السنية بشكل خاص، وثالثها، من خلال إعطاء الحكومة الميقاتية التي اقتربت من حافة الاستقالة في الأيام القليلة الماضية، فرصة الاستمرار والأهم من كل ذلك تسخيف الاتهام الدائم للحكومة من قبل فريق 14 آذار بأنها حكومة "حزب الله".

ويفترض مع مبادرة رئيس الحكومة إلى تحويل حصة لبنان إلى المحكمة الدولية، أن تتوقف اسطوانة الضغط الخارجي على الحكومة، وهو ما برزت مؤشراته سريعاً من خلال الأصداء الايجابية للتمويل والتي من شأنها فتح أبواب واشنطن وباريس رسمياً أمام ميقاتي.

هل ينسحب انحسار الضغط الخارجي على قوى المعارضة التي عزفت طويلاً على لحن التمويل؟

الجواب قدّمته هذه القوى التي بدت مصدومة بقرار ميقاتي الذي بدا وكأنه يسحب البساط من تحت قدميها، ولذلك رحبت وذهبت نحو مطالبة الحكومة بتسليم المتهمين الأربعة، وربما يبادر غداً أحد نواب 14 آذار للقول إن ميقاتي متهم بتأمين مخبأ سري في السرايا الكبير لهؤلاء المتهمين، غير أن الحلقات الضيقة في فريق 14 آذار تبدو مشدودة أكثر الى الحدث السوري وليس الى المحكمة أو الحكومة، وثمة رهان أن بشار الأسد لن يتمكن من الصمود إلا قليلاً وعندها سيعود هذا الفريق الى السلطة في بيروت ودمشق وتصبح كل معادلات الحكومة والمحكمة خارج سياق الموضوع الأصلي.

بعد مهرجان طرابلس، وما حمله من معانٍ من حيث الحشد الضعيف والمضمون السياسي الباهت، تستعد المعارضة، وخاصة "تيار المستقبل" لإطلاق حملة سياسية تهدف للتركيز على موضوع سلاح "حزب الله" وصولاً إلى مطالبة المجتمع الدولي بإصدار قرار سواء عن طريق الجمعية العامة للأمم المتحدة أم مجلس الأمن، على أن يواكبه تحرك شعبي في الشارع اللبناني عنوانه انضمام بيروت إلى "الربيع العربي" وهذه المرة تحت شعار "مواجهة السلاح بطريقة سلمية".

وبالتأكيد لن يتوانى سعد الحريري وفريقه عن القيام بكل ما من شأنه محاولة إفراغ خطوة ميقاتي من محتواها، وإظهار "أن التمويل ليس منة من احد"، كما يقول الرئيس فؤاد السنيورة. ومن جهة ثانية، التركيز من الآن فصاعداً على مقولة "أن التمويل يعني الاعتراف بشرعية المحكمة، والاعتراف بشرعيتها يعني استتباع التمويل بخطوة تسليم المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري".

ولكن ما الذي حصل لكي يمرّ تمويل المحكمة بهذه الطريقة؟

ما من شك في أن ثمة "قطبة مخفية" مزروعة في مكان ما تحت "التفاهم" الذي تمّ حول التمويل، وما من شك أيضاً في أن للرئيس نبيه بري الدور الأساس في حياكة "التخريجة" بخيوط متينة وبالشراكة مع سائر الحلفاء في الأكثرية، وصولاً الى هذا التفاهم الذي ترى مصادر واسعة الإطلاع انه كناية عن سلة متكاملة يبدأ بالتمويل، ويطال أيضاً حسم ملف شهود الزور من دون النظر إلى أية اعتبارات، والانتقال بالحكومة إلى "أداء آخر" أكثر فاعلية ويحسم بالدرجة الأولى ملف التعيينات، والأهم من كل ذلك إعادة مقاربة استحقاق آذار المتعلق ببروتوكول المحكمة.

على أن ما ساعد في بلوغ هذا التفاهم، وبهذه السرعة، كما يقول مطلعون، هو اصطدام الواقع الداخلي وبشكل حاد بمعادلة الاختيار بين "لبنان آمن ومستقر"، وبين "لبنان غير آمن وغير مستقر"، وبالتالي كان من البديهي تفضيل "الاستقرار" على "اللا استقرار"، وخاصة أن الحكومة وفي ظل الجدية التي أظهرها رئيسها وتأكيد عزمه على الاستقالة ربطاً بعدم التمويل، قد أوشكت أن تكون قاب قوسين أو أدنى من السقوط، وبالتالي وضع لبنان على سكة اللا استقرار.

ولعل قراءة المشهد الافتراضي لمرحلة ما بعد إطاحة الحكومة، قد قادت أطراف "تفاهم التمويل"، الى استنتاج منطقي وموضوعي، مفاده بأن بقاء الحكومة الميقاتية في هذه اللحظة السياسية اللبنانية والاقليمية والدولية الراهنة، هو حاجة لكلّ مكونات الأكثرية الحاكمة أكثر من اي وقت مضى، و"يجب ان تـُحمى الحكومة برموش العيون" على حد تعبير أحد أقطاب الأكثرية.

وبتقدير الحريصين على بقاء الحكومة، فإن ما حتم تمرير التمويل هو الآتي:

– يقين هؤلاء من ان سقوط الحكومة سيعيد خلط الأوراق الداخلية، بما قد يفتح الباب على وقائع جديدة وتوترات لا حصر لسلبياتها لا في السياسة ولا في الأمن ولا في الاقتصاد.. ويخشى معها ان يقع لبنان في فراغ سياسي كبير.

– الخشية من أن يستعيد لبنان مشهد الفرز بين 8 آذار و14 آذار بمعناه الصراعي، ومن ان تنحو ساحة لبنان في غياب السلطة الحاكمة والضابطة لإيقاع البلد، في اتجاه استقطابي تعبوي حاد يوقع البلد مجدداً في أتون تحريض سياسي ومذهبي خطير.

– هروب الأكثرية من تهمة الفشل بأنها ليست مؤهلة لأن تكون في موقع القيادة الرسمية، وبأنها مع تجربة الحكومة الحالية قدّمت نموذجاً على أنها تفتقد اهلية الإمساك بالحكم وادارة شؤون البلد، وأثبتت انها ليست في حجم الآمال التي علقت عليها لمحو آثار كل الحقبة الحريرية السابقة.

– الخشية من أن تفقد الأكثرية الحالية إمكانية العودة الى السلطة، اذ ليس ثمة ما يضمن بقاء مكونات الأكثرية الراهنة على حالها، في ظل الثقة التي اهتزت ما بين مكوناتها، بالإضافة الى نذر عدم التماسك التي ظهرت جلية في الاشتباك بين ميشال عون ونجيب ميقاتي. ومن هنا، فإن إطاحة الحكومة ستفرز الأكثرية الحالية إلى ثلاثة مربعات نيابية، موزعة على مربع يضم "حزب الله" والرئيس بري وتكتل الإصلاح والتغيير وتيار المردة والقومي والحزب الديموقراطي، في مقابل مربع النائب وليد جنبلاط، والى يمينه مربع نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي واحمد كرامي، وكلها مجتمعة تشكل أكثرية متحكمة كما هو الواقع حالياً، ولكن اي خلل يصيب أياً من هذه المربعات الثلاثة أو يخل بتماسكها ويشتت أرقامها، هو خلل قاتل، من شأنه بكل بساطة ان يشرع الطريق أمام القوى الحريرية لأن تظهر نفسها في اية استشارات نيابية ملزمة لاختيار رئيس الحكومة، قوة رقمية متماسكة تمتلك قدرة الغلبة في مقابل المربعات الرقمية المشتتة، وبالتالي فإن النتيجة الموضوعية لهذا الخلل او الخطأ القاتل هو خسارة السلطة، وتقديمها من جديد على طبق من ذهب لسعد الحريري ومن دون ان يتكلف هذا الاخير عناء السعي الى ذلك ولو من بعيد.

– لقد شكلت الحكومة الحالية عنواناً وحافظاً للاستقرار الداخلي، والخشية من ان يتحول سقوطها الى سقوط تلقائي للاستقرار في لبنان المستمر منذ نحو احد عشر شهراً، خاصة أن هذا الاستقرار في ظل مجموعة الحرائق الملتهبة التي تحيط بلبنان هو استقرار هش، وقابل للتفاعل مع اي عنوان توتيري داخلي او خارجي.

– الخشية من أن يؤدي سقوط الحكومة الى اندماج بعض الواقع اللبناني أكثر بمخاطر الحدث السوري بما قد يؤدي الى الانفلات غير المحسوب، علماً ان الحكومة تفاعلت مع الحدث السوري بما ابقى لبنان بمنأى عنه وعن تداعياته، في الوقت الذي ينزلق فيه الحريريون أكثر فأكثر في الأزمة السورية.

– لقد ساعد الموقف الغربي في تمرير استحقاق التمويل، ذلك أن القلق الذي أصاب العاصمتين الأميركية والفرنسية عندما لوّح ميقاتي بالاستقالة كان كبيراً جداً وفاق القلق الذي انتاب "حزب الله" وحلفاءه، وبالتالي بدا الجميع في بيروت ودمشق وطهران وباريس وواشنطن متفقاً على حماية الحكومة وبدا نجيب ميقاتي عنواناً لتقاطع شبيه بذاك الذي أتى به رئيساً للحكومة أول مرة في العام 2005.
 

المصدر:
السفير

خبر عاجل