كتب داود رمال في صحيفة "السفير": "إنه مخرج محبوك بعناية ميشال سليمان وحنكة نبيه بري ودهاء نجيب ميقاتي"، هكذا وصّف مصدر واسع الاطلاع، صيغة الحل لتمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، "والتي جعلت اللبنانيين يحبسون أنفاسهم مخافة ان يطيح التمويل بالحكومة، فتدخل البلاد في مرحلة فراغ في ظل محيط متفجّر ومنطـقة مفتوحة على كل الاحتمالات".
ويقول المصدر "صحيح إن هذا التمويل شابته في طريقة اخراجه، مخالفة قانونية، وقد يستثمر لاحقاً في الصراع السياسي من زاوية دستورية مفادها ان السلطة الاجرائية منوطة بمجلس الوزراء مجتمعاً، وليس برئيس مجلس الوزراء منفرداً، مما يطرح مجدداً وجوب توضيح النصوص الدستورية للمواءمة بين المسؤوليات والصلاحيات، إلا أن الشائبة القانونية قد تكون افضل علاج لمسألة مطعون في شرعيتها الدستورية".
وعن مغزى هذه المقاربة، لكيفية التمويل، يوضح المصدر "لقد طرح موضوع التمويل وفور طرحه انقسمت الحكومة في اتجاهين:
الاتجاه الأول، يؤكد على وجوب التزام لبنان بتعهداته الدولية وأن يدفع حصته من تمويل المحكمة، وتبنى هذا التوجه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والنائب وليد جنبلاط، وبدأ التمهيد له منذ خطاب الرئيس ميشال سليمان امام الجمعية العامة للأمم المتحدة وختمه بموقفه الصريح في رسالة الاستقلال، حين اعتبر ان التمويل ليس خوفاً من العقوبات انما من زاوية تأكيد التزام لبنان بالقرارات الدولية.
الاتجاه الثاني، يرفض بالمطلق التمويل انطلاقاً من قناعة راسخة بعدم دستورية المحكمة واستهدافاتها السياسية، وتبنت هذا التوجه قوى الثامن من اذار.
وفي ظل هذا الواقع، غير القابل للحل، بدا ان الامور ذاهبة الى صدام داخل الاكثرية الائتلافية بما يهدد مستقبل الوضع الحكومي ويعرض الحكومة للسقوط ومعها كل الاستقرار السياسي والأمني، وهذا ما عبّر عنه ميقاتي حين قال بصراحة إن عدم التمويل يعني استقالته، فتلقف الرئيس بري الموقف واعتبر ان الحل ليس بالاستقالة انما بالوصول الى حل وبتفعيل عمل الحكومة، لتتكثف بالتالي، الاتصالات بين الرؤساء الثلاثة والقوى الرئيسية في الحكومة، حيث اخضع الموضوع لعملية تشريح دقيقة كانت خلاصتها الآتي:
– التمويل لن يمر في الحكومة وقوى 8 اذار ترفضه بالكامل، لا سيما بعد الدخول الاميركي على الخط من خلال موقف السفيرة الاميركية في بيروت مورا كونيللي التي حذرت الحكومة من مغبة عدم التمويل في سياق تهديدي واضح، وبالتالي لا نصاب لأي جلسة على جدول اعمالها بند التمويل، وإذا اكتمل النصاب فإن البند سيسقط اذا طرح على التصويت.
– عدم إمرار التمويل يعني استقالة ميقاتي لأنه لا يستطيع تحمل عقوبات على لبنان، لا سيما تلك التي تطال القطاع المصرفي، كما ان استهدافه الشخصي عبر امواله واستثماراته في الخارج ليس خافياً على احد، وكثيرة هي التلميحات والتصريحات التي اوحت بذلك… والأهم من ذلك أن ميقاتي لا يستطيع أن يتحمل أمام جمهوره وبيئته إسقاط التمويل.
ويضيف المصدر "انه امام هذا الواقع المقفل على امكان الحل، جرى نقاش داخل فريق 8 اذار كانت خلاصته، ان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان فاقدة للشرعية الدستورية لانبثاقها عن حكومة غير ميثاقية، ولو سلمنا جدلا ان الخيار هو بين واحد من اثنين، إما التمويل في مجلس الوزراء او عبر مجلس النواب، فإن المنطق يقول إن إمراره عبر الحكومة افضل بكثير من إمراره عبر مجلس النواب، فإذا كان التمويل بقرار حكومي فإن سمة اللاشرعية لن تسقط عن المحكمة، في حين أن إحالة الامر الى مجلس النواب سيفضي حكماً الى نيل التمويل الاكثرية المطلوبة، بما يعني إسباغ الشرعية على المحكمة".
ويشير المصدر الى انه "أمام هذا الواقع أعطي تفويض مفتوح للرئيس نبيه بري بابتداع الحل، واستقر الرأي على مستوى الرئاسات بأن يخرج الحل من عند ميقاتي شخصياً، فكان القرار بتحويل المبلغ المتوجب على لبنان الى المحكمة بقرار من ميقاتي وحده ومن خلال الحساب الجاري للهيئة العليا للإغاثة، وفي ذلك إنهاء للاشتباك السياسي حول التمويل الذي لو كان قد سقط لسقطت معه الحكومة، وتالياً فإن المتضرر الأول، سيكون الموقف السوري الذي كان أمام معادلة واضحة منذ اليوم الأول بأن الأولوية للحفاظ على الحكومة ولو أدى الأمر الى تمويل المحكمة، فضلا عن أن سقوط الحكومة سيشكل انتصاراً لرهان المعارضة بسقوط الحكومة".
وقال المصدر إن الإخراج يشكل انتصاراً للأكثرية وتعزيزاً لموقف ميقاتي في شارعه، خصوصاً في ضوء اتهامه من قبل خصومه بأنه لا يتخذ قراراً.. وإذ به يأخذ الامور بصدره ولا يساوم على ملف التمويل، علماً أن خصومه الحاليين سبق لهم أن ساوموا على المحكمة برمتها"!.
ولكن هل التمويل يحل المشكلة، يجيب المصدر "إن التمويل سيستتبع بتفعيل العمل الحكومي عبر التسريع في ملء الشواغر المتزايدة في الادارة اللبنانية وإقرار المشاريع الحيوية ذات البعد التنموي، من دون إغفال ان موعد تجديد بروتوكول المحكمة هو على بعد ثلاثة اشهر، وأن ملف شهود الزور لا بد أن يسلك طريقه الى القضاء العدلي".
ويخلص المصدر للقول إن تمويل المحكمة حصل على قاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات، "وبالتالي علينا الانتظار حتى شهر آذار.. ومن يعشْ يرَ".