أمكن للجامعة العربيّة في الآونة الأخيرة أن تتعرّف جيّداً على واقع حال لبنان ودولته، وذلك من خلال مواقف "الديبلوماسيّة اللبنانيّة"! من الأزمة في سوريا ومن الإجماع العربيّ ضدّ النظام السوريّ. أمكن للجامعة أن تتعرّف على حقيقة أنّ لبنان بلد تحت الاحتلال من جانب نظام الأسد ومن جانب "حزب الله" وسلاحه.
"التنكيت" على لبنان في اجتماعات الجامعة وأروقتها كبير جدّاً. "النأي عن النفس" أضحوكة للعرب. والتناقض بين وزير الخارجيّة الذي يعلن رفض حكومته العقوبات وعدم التزامها بها وبين وزير الاقتصاد الذي يعلن رفض العقوبات مع الالتزام بتنفيذها، مضحك للعرب أيضاً.
لكنّ "التنكيت" على حال لبنان بسبب السلطة السياسيّة التي تحكمه بالتبعيّة لمحور نظام الأسد – إيران – "حزب الله"، وإن كان موقفاً في حدّ ذاته، إلّا أنّه لا يشكّل المساهمة العربيّة التي ينتظرها اللبنانيّون.
ذلك أنّ الجامعة بدولها كافّة تعلمُ علمَ اليقين أنّ لبنان هو المكان الذي يستخدمه نظام الأسد لتنفيذ تهديداته ردّاً على الضغوط العربيّة والإقليميّة والدوليّة التي يتعرّض لها بسبب إمعانه في قتل شعبه وظنّاً منه أنّ في استطاعته تأخير سقوطه. وهذا النظام شرع بالفعل في استخدام لبنان خطفاً لمعارضين سوريّين على الأراضي اللبنانيّة واختراقاً لحدود لبنان، حدود السيادة اللبنانيّة، واستقطاباً من سفارته
لـ"شبّيحة" يسرحون بين لبنان وسوريا.. وصولاً إلى استخدام الجنوب قبل يومين لإطلاق صواريخ منه باتّجاه إسرائيل نقضاً للقرار الدولي 1701.
والجامعة العربيّة بدولها كافّة تعلمُ جيّداً أنّ السلطة القائمة في لبنان حاليّاً نتجت عن انقلاب نفّذه النظام السوريّ ومحورُه وحلفاؤه، ما جعل البلاد كياناً مستباحاً ودولةً مؤجّرة إذ تمّ إسقاط الميثاق الوطنيّ والدستور، أي اتّفاق الطائف ودستوره. ولمّا كان اتّفاق الطائف اتّفاقاً برعاية عربيّة في الأصل، رعاية لعبت المملكة العربيّة السعوديّة الدور المركزيّ فيها، فإنّ على الجامعة العربيّة دوراً تؤدّيه استعادةً للبنان إلى مرجعيّة اتّفاق الطائف.
بل أكثر من ذلك، فإنّ العرب اختبروا بأنفسهم خلال السنوات الأربع الماضية مشروع إسقاط لبنان في قبضة نظام الأسد و"حزب الله". فكانت الرعايةُ العربيّة لـ"تفاهم الدوحة" ربيع 2008 محاولةً لانتشال لبنان من السقوط… إلى أن كان انقلاب هذا المحور مطلعَ العام الجاري إسقاطاً لـ"تفاهم الدوحة" الذي يتميّز بتشديده على تحريم استخدام السلاح. هذا مع العلم أنّ "التفاهم" ينصّ على رعاية عربيّة (لم تحصل) للحوار اللبناني الذي يجب أن يُفضي – بسحب نصوص التفاهم نفسه – إلى حصريّة الأدوار السياديّة بالدولة. لكنّ التذكير ضروريّ أيضاً بأنّ الانقلاب جرى تنفيذُه بعد إسقاط دمشق – طهران – "حزب الله" للمحاولة السعوديّة مع نظام الأسد والمعروفة بـ "س.س".
إنّ هذه السطور تهدفُ إلى تذكير العرب بأنّ المراوغة والاحتيال والتسويف أمورٌ لم يبدأها نظام الأسد مع العرب في هذه المرحلة من أزمته، بل إنّ لهذه الأمور تاريخاً مع هذا النظام في لبنان وبينه وبين العرب حول لبنان. فعلى سبيل المثال ألم يَعِد رئيس النظام قيادة المملكة بعدم التعرّض للرئيس رفيق الحريري؟ فماذا كانت النتيجة؟
وأهمّ ما تقصده السطور السالفة هو القول إنّ تعريب الأزمة السوريّة يُفترض أن يقود تلقائيّاً إلى تعريب القضيّة اللبنانيّة. والتعريب للأزمة السوريّة، الذي بدأ من مدخل حماية الشعب السوريّ وتحقيق انتقاله إلى مرحلة جديدة، ينبغي أن يكون له مرادفٌ للبنان، لا سيّما وأنّ للتعريب هنا تاريخاً.
وهذا يعني أنّ لبنان بحاجة الآن إلى حماية سياسيّة عربيّة. لكنّه بحاجة إلى حماية ورعاية عربيّتين لمرحلته الانتقاليّة نحو "ما بعد" سقوط نظام الأسد.
هو بحاجة إلى استعادة "طائفه" في وقتٍ بات الطائف يصلحُ للمرحلة العربيّة الجديدة المتفتّحة بالربيع العربيّ.
هو بحاجة إلى استعادة طائفه مرّة أخيرة ونهائيّة من التفويض العربيّ – والدوليّ – للنظام السوريّ والذي انتهى في 2005. واستعادتُه مِن الانقلاب عليه الذي ألحق لبنان بنظام مترنّح متهاوٍ. وهو بحاجة إلى استعادة الطائف كي يتمّ تطبيقه فعليّاً للمرّة الأولى، وباعتباره عنوان إنقاذ لبنان في المرحلة الآتية.
من أبسط الأمور، كان أن يطالب معظمُ اللبنانيّين الجامعة العربيّة بتعليق مشاركة "لبنان المحتلّ" أو بتجميد عضويّته في الجامعة… حتىّ من دون شرح.
بيدَ أنّ الأهمّ، على مشارف فرصة تلوح لإنقاذ لبنان نهائيّاً ولاستعادته دوره العربيّ، هو الحماية العربيّة بكلّ مضامينها من أجل طائف لبنان طائف العرب.