وأخيرا موّل نجيب ميقاتي المحكمة الدولية، لكنه لم يدفع المبلغ من جيبه الخاص كما طالبه تكرارا جماعة الثامن من آذار من السيد حسن نصرالله ونائبه الشيخ نعيم قاسم الى النائب ميشال عون.
ميقاتي لم ينفرد بقرار التمويل على الإطلاق بل سار به كنتيجة لمشاورات استمرت بكثافة منذ عودته من الفاتيكان وبوساطة الرئيس نبيه بري، فحوّل دولة الرئيس حصة لبنان من التمويل الى المحكمة الدولية بصفته رئيسا لمجلس الوزراء اللبناني معلنا التزام لبنان بالقرارات الدولية، مجلس الوزراء هذا الذي يتشكل بأكثريته الموصوفة من قوى الثامن من آذار، وتحديدا من "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" وحركة "أمل" و"المردة" و"الحزب السوري القومي الاجتماعي".
هذه الأحزاب مجتمعة أقرت التمويل عمليا فتمكن ميقاتي من تحويل حصة لبنان، لا بل أصرّ كما ظهر في الاعلام أن ينتظر حتى وصله قبول "حزب الله" رسميا عبر المعاون السياسي لنصرالله الحاج حسين خليل. ويبقى على حكومة "حزب الله" أن تبحث عن الفذلكات المالية المطلوبة وكيفية إدراج المبلغ الذي تمّ تحويله ضمن الموازنة العامة.
لم ينفع كل الصراخ ولا الدعوات الى التمويل من الجيوب الخاصة ولا من الملوك العرب، ولم تنفع أيضا كل الأعذار بلادستورية المحكمة، وكل الأصوات العالية المهدّدة بالويل والثبور وعظائم الأمور وبالرفض المطلق لمناقشة موضوع التمويل… كل هذه الأصوات خفتت واختنقت والـ32 مليون دولار انتقلت من حساب الدولة اللبنانية الى حساب المحكمة الدولية. ولم يبق أمام المحكمة سوى انتقال المتهمين من حيث تتمّ تخبئتهم الى قفص الاتهام في لاهاي لتبدأ المحاكمة المشهودة.
لم يعد ينفع "حزب الله" أي ادعاء بأن المحكمة التي ساهمت الحكومة التي يديرها بشكل مباشر في تمويلها هي محكمة إسرائيلية، ولا يعود يجدي بالتالي غير تسليم المتهمين واللجوء الى الأطر القانونية وتوكيل محامين للدفاع عنهم.
هكذا يتضح مرة بعد مرة من يخسر كل معاركه، رغم كل التهويل والعويل…
وهكذا يتأكد أن المحكمة الدولية مستمرة في عملها حتى الاقتصاص من المجرمين المنفذين والمحرّضين والمخططين والآمرين مهما "علا" شأنهم.
ولذلك، ومن كل ما يتقدّم الاستنتاج واضح: معركة جديدة خاسرة يقودها فريق "8 آذار"، ومعركة جديدة تربحها بالنقاط قوى "14 آذار"، لا بل يمكن اعتبار الربح مضاعفا 3 مرات:
ـ مرة أولى من خلال تمويل المحكمة في المطلق وهو مطلب قوى "14 آذار".
ـ ومرة ثانية لأن قوى "8 آذار" خاضت معركة رفض التمويل والاعتراف بالمحكمة ومن ثم أقرّ التمويل فكانت خسارة مدوّية.
ـ ومرة ثالثة لأن قوى "8 آذار" هي التي أقرّت التمويل بنفسها، وفي عهد حكومتها، حكومة اللون الواحد التي يسيطر عليها "حزب الله"، وتحديدا أيضا وأيضا بعد إعلان أسماء أول 4 متهمين وهم من "حزب الله"، وصار بإمكان الحزب إذا أحبّ أن يتباهى بتمويله محكمة إسرائيلية!…
أما سقوط الحكومة فآت آت لا محالة، وإن غدا لناظره قريب!