#dfp #adsense

“القوّات”: إثارة “فزّاعة” الأخوان المسلمين بضاعةً بالية

حجم الخط

ردّت الدائرة الإعلاميّة في "القوّات اللبنانيّة" على ما جاء في مقالة للصحافي نبيه البرجي تحت عنوان "جعجع والأخوان المسلمون" نشرت في صحيفة "الديار" الإثنين 28 تشرين الثاني 2011، فنشرته الصحيفة في عددها الصادر الأربعاء 30 تشرين الثاني في صفحتها الثانية، وجاء على الشكل الآتي:

في مقالة للصحافي نبيه البرجي بعنوان "جعجع والأخوان المسلمون" نشرتها جريدة "الديار" بتاريخ 28 تشرين الثاني 2011، تراءت له جملة مشاهدات، منها تصوّره رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وهو يعانق رياض الشقفة، المراقب العام للأخوان المسلمين في سوريا، وتساؤله عمّا إذا كان الشقفة سيختطّ النهج ذاته لـ "الأخوان في مصر الذين دعوا الى فرض الجزية على الاقباط"، ومنها ايضاً توقعّه بأن "الذين سخروا من شعار وحدة المسار والمصير يشعروننا الآن بأنهم ينتظرون سقوط النظام في سوريا ليعلنوا الوحدة مع سوريا"، وأخيراً ينزع الصحافي البرجي عنه ثوب المنجّم المغربي، ليتقمّص ثوب طبيبٍ نفساني جازماً ان "الزنزانة تركت في جعجع ندوباً سيكولوجية لا تندمل"، مُفترضاً ان جعجع يتلذذ بعذابات النظام السوري اليومية، متوقعاً بالمقابل، ان تستقر الحال بلبنان في كنف "الوصاية العثمانية، التي تشهد لوحات نهر الكلب على غطرستها وفظاظتها"…

من المسلّم به، ان إثارة "فزّاعة" الأخوان المسلمين لتبرير بقاء الأنظمة الديكتاتورية، وفي مقدّمها نظام الأسد في سوريا، باتت بضاعةً بالية لا يمكن تسويقها بعد الآن.

إن إثارة هواجس إفتراضية واستباقية ترتبط بوصول الأخوان المسلمين الى الحكم في سوريا، في الوقت عينه الذي تُرتكب فيه جرائم حقيقية وملموسة على يد النظام السوري الراهن، هي بمثابةٍ تعامٍ عن الجرائم التي تُرتكب بحق الإنسانية. وبالتالي، فإن المطلوب اليوم اولاً، هو وقف الجرائم بحق الإنسانية، وذلك قبل أي حديثٍ آخر "عن جنس الملائكة"، وقبل إطلاق التوقعات حول هوية الجهة التي سترث النظام السوري الراهن.

إن الصحافي البرجي، الذي أراد إجتزاء بعض الوقائع او المواقف المتعلقّة بـ "الأخوان المسلمين" في مصر، من اجل رسم صورةٍ "قاتمة" حول مستقبل المسيحيين في سوريا، فاته ان احداً لم يذبح مسيحيي الشرق، ويضطهدهم ويغتالهم ويُهمشّهم، ويُساهم بهجرتهم، كما فعل نظام البعث في سوريا. فحتى الأخوان المسلمين في مصر، الذين يوسمون بالتشدّد، لم يجدوا غضاضةً في الإعلان بتاريخ 29 آذار 2011، على لسان مرشدهم العام محمد بديع، عن موافقتهم على ترشحّ الأقباط والنساء للرئاسة في مصر، في وقتٍ لا يزال حزب البعث السوري يحرّم على اي مواطن مسيحي سوري الترشح للرئاسة السورية، بحسب ما تنصّ عليه المادة الثالثة من دستور نظام البعث.

وغني عن القول ايضاً، ان الأخوان المسلمين في سوريا، لم يعلنوا في اي وقتٍ من الأوقات إحتكارهم للثورة السورية، وإنما هم كغيرهم من شرائح المجتمع السوري الممثلين في المجلس الوطني السوري، الذي اعلن بدوره، بتاريخ 21 تشرين الثاني 2011، عن عزمه على إقامة دولةٍ ديمقراطية مدنية تعددية في سوريا…

فهل للصحافي البرجي ان يُرشدنا الى اي ذكرٍ لـ "دولةٍ اسلامية دينية" مُزمعٌ إنشاؤها، في أدبيات المجلس الوطني السوري، الممثّل الشرعي، والشعبي، والوحيد للثورة السورية؟

مهما يكن من أمر، فإن التهديد الذي اطلقه مفتي النظام السوري احمد حسّون بتاريخ 10 تشرين الأول 2011 لجهة تنفيذ عمليات انتحارية في الدول الغربية فيما لو اعترفت هذه الدول بالمجلس الإنتقالي السوري، يكشف بما لا يقبل الشك هوية الجهة الفعلية التي ترعى التطرف والإرهاب، وتستخدمه لترهيب اخصامها السياسيين.

إن النهج الذي يمثلّه جعجع والداعي الى التمسّك بكيانية لبنان وبالحرية والديمقراطية، وآحادية السلاح، وهو النهج التاريخي إيّاه، الذي قاوم محاولات تذويب الكيان اللبناني منذ العام 1920 مروراً بـ 1958 وصولاً الى الـ 1975 وحتى اليوم، وبالتالي فإن إبداء القوات اللبنانية تعاطفها مع ربيع الأخوان السوريين بوجه الظلم والطغيان، لا يعدو كونه موقفاً مبدئياً ينسجم مع تاريخ القوات اللبنانية وثوابت المسيحيين في الشرق، ولا يعني إطلاقاً التفريط بأيٍ من ثوابت ومسلّمات القوات اللبنانية.

إن القوات اللبنانية التي وقفت سدّاً منيعاً بوجه العقيدة البعثية الساعية الى ابتلاع الكيان اللبناني تحت شعار "وحدة المسار والمصير"، تأمل من خلال سقوط النظام البعثي في تحقيق امرين اساسيين: الأول، رفع نير الظلم والقهر عن المظلومين، والثاني، زوال الخطر الرئيسي على الكيان اللبناني. من هنا، وبخلاف ما يدعّيه الصحافي البرجي، فإن الخطر الحقيقي على الكيان اللبناني يتأتّى من النظام الحالي في سوريا، وليس من اي نظامٍ مستقبلي مُفترض، وبالتالي فإن سقوط نظام "السجون والقبور" كما وصفه العماد عون سابقاً، هو عاملٌ إضافي يُسهم في فك "تلازم المسارين" نهائياً، وتثبيت كيانية لبنان، والتخلّص من نغمة "وحدة المسار والمصير" الى أبد الابدين…

امّا لجهة الإدعاء بأن "الزنزانة تركت في جعجع ندوباً سيكولوجية لا تندمل"، فقد يصّح هذا القول من الناحية الإيجابية، ذلك ان جعجع استخدم الحجارة التي رجمه البعض بها من اجل بناء حُصنٍ سيكولوجي ومعنوي مُترفّعٍ عن صغائر الأمور، فدفعه الظلم الذي عاشه، للتعالي عن الإساءات الشخصية التي تعرّض لها، وجعلته سنين الوحدة والتأمّل التي قضاها في زنزانته، يُقارب الأمور من منظارٍ إنساني تسامحي تصالحي، فيطلب بدوره المغفرة ممّن يمكن ان يكون قد اساء اليهم خلال مسيرته النضالية، وذلك عوض الحقد والتشفّي والسعي الى الإنتقام… فهل من ندوبٍ سيكولوجية انبل، وارفع، واشرف من ذلك بعد؟

واضحٌ بعد ذلك كلّه، ان الصحافي البرجي، اراد استنفاد كل الحجج وإختلاق كل الهواجس، لتبرير بقاء نظام البعث في سوريا. فبعد ان استعمل فزّاعة "الأخوان المسلمين" لمحاولة تعطيل مفاعيل ثورة الشعب السوري على الجور والطغيان، انتقل 100 سنةٍ في الزمن الى الوراء، مُنتشلاً طيف الأمبراطورية العثمانية من غياهب النسيان، قافزاً فوق المتغيّرات السياسية والسوسيولوجية والإقتصادية، لا لشيء إلاّ للإيحاء بأن البديل الطبيعي للنظام البعثي هو "وصاية عثمانية" لا بُدّ منها…

إن إعادة استحضار امبراطوريات مُندثرة، والتلويح بخطورتها، بهدف إختلاق مبرراتٍ غير واقعية، تُبيح للنظام البعثي الإمعان بإرتكاب جرائمه ضد الإنسانية، يحدونا بالمقابل لسؤال الصحافي البرجي عمّا إذا كان لا يزال يرى في المانيا اليوم، امتداداً سياسياً وتوسعّياً لجمهورية الرايخ الثالث في بدايات القرن العشرين؟ وعمّا إذا كانت أيطاليا برلوسكوني، هي نفسها امبراطورية موسوليني الفاشية في ثلاثينات واربعينات القرن الماضي؟ الا يعلم الصحافي البرجي ان "الأمبراطورية العثمانية" المزعومة انتهت عملياً في القرن الثامن عشر، اي قبل حوالى ثلاثة قرون من اليوم، وبأن زمن الدول الإقليمية التوسعّية في طريقه الى الإنحسار، لمصلحة نشوء وحدات إجتماعية سياسية اكثر تجانساً.

وبعد، هل سلاح ابو موسى واحمد جبريل هو سلاحٌ عثماني؟؟ وهل قتلة كمال جنبلاط وبشير الجميّل ورينيه معوّض وشهداء ثورة الأرز الباقين، ينتمون الى قبيلة عثمان اورخان مؤسس السلطنة العثمانية؟؟ وهل كان جمال باشا السفّاح مُشرفاً بنفسه على قصف الأشرفية وزحلة وبيروت وقتل الآف الأبرياء منذ العام 75 وحتى اليوم؟

إن إعادة استذكار بعض لوحات صخور نهر الكلب انتقائياً، بغية إثارة المخاوف من "امبراطورية عثمانية" مزعومة، يفترض بالمقابل استعراض لوحات نهر الكلب واحدةً واحدة وعدم إسقاط ايٍ منها، بدءً بالفراعنة والحثيّين والأشوريين، مروراً بالإغريق والرومان والبيزنطيين، وصولاً الى العرب والصليبيين… وغيرهم من الدول والأمبراطوريات التي مرّت فوق صخور نهر الكلب منذ مئات السنين!!! فهل هذه المخاوف واقعية ومُبررة يا ترى؟

مهما يكن من أمر، فإن اللبنانيين مدعوون اليوم، أكثر من أي يومٍ مضى، للكف عن التلهّي بمهاتراتٍ إعلامية، وإفتراضاتٍ سياسية غير مبنيةٍ على اُسس واقعية، والسعي بكل جديّة ومسؤولية لإنتشال وطنهم من انياب وصاية النظام البعثي الفعلية، والحقيقية، والحاضرة في مفاصل الحياة السياسية اللبنانية يومياً… وإن النبيه من الإشارة يفهم!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل