كتبت سابين عويس في صحيفة "النهار": أن يعطي "حزب الله" رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كل ما رفض أن يعطيه لسلفه الرئيس سعد الحريري في مسألة تمويل المحكمة الخاصة بلبنان، فهذا يعني أن مشكلة الحزب ابان ترؤس الحريري حكومة الوحدة الوطنية لم تكن مع شرعية المحكمة واستقلاليتها عندما كان هو شريكاً في تلك الحكومة، وهو الذي وافق على تمويل تلك المحكمة عام 2010، بل كان مع وجود الرجل على رأس السلطة التنفيذية.
وخلاصة التسوية التي آل اليها ملف التمويل بعد أشهر من التحليلات والتوقعات المتباينة حوله، ورهن مستقبل الحكومة بمصيره، بدا واضحاً من اداء "حزب الله" أن ما يهمّه يقف عند خطين أحمرين:
– الاول الامساك بالسلطة والبقاء فيها المدة الكافية التي تتيح للحزب الامساك بالقرار السياسي والامني والسياسة الخارجية المرتبطة التي تخدم الراعيين الايراني والسوري، والتي تؤهل الحزب لمواجهة القرارات الاتهامية للمحكمة التي تستهدفه عبر توجيه الاتهام الى عناصر لديه. وهذا الامر تجلّى في تعامل السلطة السياسية مع تسليم المتهمين الاربعة الذين وردت أسماؤهم في القرار الاتهامي، كما تجلى في "دفن" ملف شهود الزور الذي كان القشة التي قصمت ظهر حكومة الوحدة، تمهيداً لاعادة احيائه عندما يصبح الوقت مؤاتياً، وقد بدأ يقترب هذا الوقت مع توقع فتح النقاش قريباً حول استحقاق تجديد بروتوكول التعاون مع الامم المتحدة في آذار المقبل.
– أما الخط الاحمر الثاني فتجلى في حرص الحزب، معززاً بدعم حلفائه في 8 آذار – كل لحساباته الخاصة- على قطع الطريق أمام أي عودة محتملة للحريري الى السلطة، معطوفا على رغبة تشكل قاسماً مشتركاً يلتقي عليه أكثر من حليف في الاكثرية تتمثل في إقصاء الحريري سياسياً وسحب حصرية الزعامة السنية منه وتوسيع "الصحن" السني بحيث يتسع لأكثر من عضو في نادي رؤساء الحكومات.
وما يعزّز هذا الانطباع لدى أوساط سياسية مراقبة أن الحزب قبل بصيغة تسوية للتمويل من خلال غض الطرف عن المخرج، بما لا يضطره الى مناقشته، لكونه لم يطرح على طاولة مجلس الوزراء، علماً أن هذا المخرج لا يعطيه براءة ذمة أمام جمهوره بأنه لم يتراجع أمام تشبت ميقاتي بموقفه، لأن هذا ما حصل في واقع الامر بما أن الحزب كان دعا على لسان أمينه العام الى طرح الملف على طاولة مجلس الوزراء لاتخاذ الموقف منه والرامي عمليا الى التصويت ضده، وبذلك تراجع عن استغلال الفرصة المتاحة لوقف التمويل عن المحكمة بعدما جاءت حساب الربح اذا تم التمويل أكبر من حسابات الخسارة بما أن تلك الحسابات بيّنت كسبا للحكم وتجنباً لمواجهة الضغوط الدولية وحماية لسوريا ومتنفساً لها في الظروف الدقيقة التي تواجهها.
وللتذكير فإن الحزب الذي رفض بالامس موافقته على تمويل المحكمة ضمن مجلس الوزراء، كان وافق، وفي حضور وزيريه في الحكومة على قانون برنامج التمويل لعامي 2010 و2011 ضمن مشروع موازنة 2010 الذي أقره مجلس الوزراء آنذاك، كما وافق على طلب وزيرة المال السابقة ريا الحسن على سلفة لتسديد حصة لبنان لعام 2010.
ما بعد التمويل
ومع تجاوز الحكومة قطوع التمويل عبر حصر مسؤولية اتخاذه برئيسها، كان لا بد لميقاتي، على أثر التفاعل السياسي والاعلامي مع القرار وحسابات الربح والخسارة التي أجريت له، أن يلجأ الى خطوات احتوائية لمنع أي ارتدادات سلبية على التحالف الاكثري، وخصوصا بعدما ظهر ميقاتي المنتصر الاكبر، فيما بدا الحلفاء في المواقع الخاسرة وان بدرجات متفاوتة.
وجاءت تلك الخطوات في اتجاهين: الاول في اتجاه "حزب الله"، واستباقا للموقف المرتقب لأمينه العام السيد حسن نصر الله، امس أبدى ميقاتي أمام زواره "تفهمه واحترامه للآراء المتحفظة عن المحكمة"، معربا عن أمله في تفهم الحزب و"قيادته الحكيمة" للخطوة ولدقة الظرف وحراجته"، بحيث أمل أن يغلب الحزب المصلحة الوطنية والواقعية السياسية على أي اعتبار آخر. وفي هذا الموقف رد غير مباشر على ما تردد أمس عن اجتماع ليلي لميقاتي مع المعاون الاول للامين العام للحزب تبلغ فيه رئيس الحكومة الموافقة المباشرة للحزب على صيغة التمويل. وأشارت المعلومات المتوافرة لـ"النهار" الى ان الصيغة كانت منجزة منذ أكثر من شهرين بتنسيق بين ميقاتي ورئيس المجلس نبيه بري، ولا تشوبها أي مخالفة دستورية، إذ إن رئيس الحكومة كان حصل على موافقة مسبقة من مجلس الوزراء على تحويل سلفة خزينة لمصلحة الهيئة العليا للاغاثة، وأن الشائبة الوحيدة التي تحيط القرار تتعلق بوجهة استعمال المال التي لم يعلن عنها مسبقاً، بل وضعت من ضمن الاحتياط.
أما الخطوة الثانية فجاءت في اتجاه "التيار الوطني الحر"، اذ عقد ميقاتي اجتماعا أمس مع الوزير جبران باسيل تناول الوضع الحكومي وموقف التيار من الجلسة المرتقبة لمجلس الوزراء الاربعاء المقبل، في ضوء معلومات عن ان وزراء التيار لن يشاركوا في أي جلسة لا تتضمن الملفات العالقة، والتي سماها باسيل في مؤتمره الصحافي الاخير.
ويتضح من كلام ميقاتي في السرايا أمس أن هذه المواضيع ستدرج في جدول اعمال الجلسات المقبلة تباعاً، كما ستخصص جلسات للسياحة والمياه.