اي سياسي مطلع على أوضاع العالم اقتصادياً وتشريعياً يدرك ان سيادة القانون واستقرار الأمان هما العنصران الاساسيان، اضافة الى مستويات التعليم والتحفز، في نجاح المجتمعات اقتصاديا وعلى صعيد التمازج الخلاق.
ولبنان بين الدول النامية ربما يحتاج الى سيادة القانون واتساع رقعة الأمان أكثر من غيره من البلدان لسببين على الاقل: تفشي الجرائم والاغتيالات فيه خلال فترة الحرب الاهلية، وهجرة الشباب المعطاء سعياً وراء الرزق والنجاح في مجتمعات أكثر استقراراً بحيث اصبحنا البلد الوحيد في العالم الذي يعمل خارج حدوده 35 – 40 في المئة من مجموع القوى العاملة من اللبنانيين.
خلال السنوات المنقضية منذ عام 2007 عندما بدأت مؤشرات الأزمة المالية العالمية بالظهور بداية في لندن، تدفقت أموال كثيرة على لبنان، وخصوصاً بعد انهيار بنك ليمان براذرز، ومعاناة المصارف السويسرية الاكبر خسائر ملحوظة على حسابات زبائنها، فأقبل اللبنانيون على تحويل مبالغ ملحوظة من ثرواتهم النقدية الى لبنان، فارتفعت موجودات المصارف عامي 2008 و2009 بما يساوي 60 في المئة من مجمل الموجودات في القطاع المصرفي اليوم، وتوسعت حركة الاقراض للقطاع الخاص، وكان لبرامج دعم الفوائد الاستخدامات المفيدة في مجالات السياحة، والصناعة، والزراعة، والمبادرات البيئية والتعليمية اثرها الكبير في المساهمة في الاسراع في النمو، والحيلولة دون تفجر فقاعة عقارية.
سيادة القانون والأمان عنصران غابت أهميتهما عن ادراك أو ضمير الوزيرين شربل نحاس وجبران باسيل. فقد سمعنا قبل اسبوع الوزير شربل نحاس يقول إن تمويل المحكمة أمر ثانوي، هنالك قضايا اهم بكثير، منها الموازنة، والضمان الصحي لجميع المواطنين، وقضية الاجور.
ومن بعد وزير العمل اطل علينا الوزير جبران باسيل بنغمة مماثلة، انما هو اعتبر ان تنفيذ مشاريعه في مجالات الكهرباء والمياه أهم بكثير من تمويل المحكمة وأعلن بالصوت العالي أن التيار الوطني الحر لن يساهم في هذه المهزلة.
في المقابل، اعتمد رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون لهجة قاسية بالنسبة الى هذا الموضوع، ورأى في وقت من الاوقات ان لرئيس الوزراء، الذي استهان به وبكفاياته وبصبره، ان يدفع من جيبه حصة لبنان في تمويل المحكمة.
الأيام الثلاثة المنصرمة شهدت تراجعا ملموساً في مواقف وزراء التيار الوطني الحر. ويوم الثلثاء أعلن ميشال عون ان الاشتراك في تمويل المحكمة هو بمثابة فدية ندفعها لحفظ الاستقرار كما فعل الاستونيون لاسترداد مواطنيهم!!!
لماذا تحولت المواقف، ولماذا كان الرئيس ميقاتي دوما وعلى رغم كل تشكيك في مواقفه من افرقاء 14 آذار و8 آذار، يردد ان مسؤولية لبنان عن تمويل المحكمة التزام دولي لا يجوز تجاهله، لان النتائج ستكون كارثية على لبنان سياسياً واقتصادياً. لقد كان الرئيس ميقاتي أميناً على لبنان، وبالغ الهدوء وبعيد النظر ومتعالياً عن مختلف اشكال التشكيك فيه الذي بلغ حد السفاهة احياناً.
السؤال عن تغير مواقف وزراء التيار الوطني الحر ونوابه جوابه في دمشق. فالسوريون الذين احسوا بوطأة العقوبات الاقتصادية والسياسية، ادركوا ان استقطاب لبنان عقوبات كهذه نتيجة مواقف حلفائهم سيؤدي الى اختناق الاقتصاد اللبناني تدريجاً والاقتصاد السوري بسرعة أكبر.
وكان الحكم السوري على حكمة وبعد نظر أكثر من حلفائه في لبنان، وكلنا لاحظ ان حزب الله الذي لوزرائه تصريحات متشاوفة احياناً وانما مدروسة في معظم الاحيان تمنع عن خوض معارك الكلام والتعرض للرئيس ميقاتي. والقيادي اللبناني الذي تحسس الموقف السوري وبادر الى جمع الشمل قبل فوات الآوان كان الرئيس نبيه بري.
وتبقى لنا بضعة اسئلة عما يريده التيار الوطني الحر. بحسب معلوماتنا وقراءتنا لم نشهد برنامجاً متكاملاً للتيار الوطني الحر، يشمل معالجات للشأن الاقتصادي والاجتماعي بصورة جدية، وأول عرض لبرامج التيار كان في حزيران 2005 في فندق الحبتور وشاركت فيه مدعوا للتعليق كما شارك شربل نحاس الذي كان بعيداً من التوزير، وكانت لي ملاحظات انتقادية على البرنامج المطروح، في حين شرح شربل نحاس التقرير البرنامج واعتبره بمثابة لعب صغار.
اليوم نسمع من يقول بأن تأييد التيار لاستمرار الحكومة يعلق على اقرار المشاريع والتعيينات التي يطلبها، والامر العجيب من سماع صدى كهذا ان الوزيرين شربل نحاس ونقولا صحناوي أثبتا فشلا ذريعاً ان في معالجة الامور الطارئة أم في صياغة المشاريع الاجتماعية.
اتصالات الهاتف وخدمات الانترنت متردية الى حد بعيد. ولو كنا في بلد يحافظ على فرص واعتمادية الخدمات العامة، لكان الوزير نقولا صحناوي يواجه آلاف الشكاوى من المواطنين، من تداخل الخطوط وانقطاعها، وتأخر خدمات الانترنت أياما في بعض الاحيان، ومع ذلك يبشرنا بمستقبل واعد وهو والوزير نحاس تمنطقا هذه المسؤولية لفترة تتجاوز ثلاث سنوات وكل ما شهدناه ترد مستمر.
اما الوزير شربل نحاس الذي وفد على الحكم بفضل كفايات علمية واختبارية جيدة، فهو لم يتوصل الى معالجة قضية الاجور طوال ثلاثة أشهر، وقد لجأ الى مقدار مفزع من الشعبوية حينما اقترح اقرار قانون لحماية جميع اللبنانيين من تكاليف المعالجات الصحية.
لا شك في ان التوجه نحو برنامج ضمان صحي لجميع اللبنانيين أمر جيد، لكن الوزير شربل نحاس يعرف تماماً ان خدمات الضمان الصحي والامومة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتي بدأ العمل بها منذ عام 1974 لم توفر الضمان المطلوب لـ30 في المئة من اللبنانيين، وذلك لاسباب متعددة، منها عدم اعتماد البطاقات الصحية الممغنطة، وعدم اعتماد وسائل حديثة للتعامل مع المستشفيات، وتأخير العمل ببرامج متكاملة للمعلوماتية، وتأخر الحكومة عن دفع اشتراكاتها، وتآكل منافع السائقين العموميين – وحدهم مميزون بين اللبنانيين – 92 مليون دولار من اموال الضمان الصحي من دون اشتراكات موازية.
هل يعقل ان وزيراً على مستوى ثقافة شربل نحاس لا يعرف وضع فرع الضمان الصحي، وكيف له ان يبشر اللبنانيين بمنافع الضمان الصحي الشامل، وهو لم يضع تصور ادارة مشروع كهذا، ولا أجرى اي اختبارات في هذا الصدد؟ هل يجب ان نصدق ديموغوجيا الترويج الزائف لاكتساب شعبية لدى الجماهير؟
ان الملحمة السياسية التي رافقت البحث في تمويل المحكمة انتهت. والفضل يعود الى الرئيس ميقاتي لانه يدرك كما غالبية اللبنانيين ان أعمال القتل التي اصابت آلاف اللبنانيين، والاغتيالات السياسية التي عصفت بحياة الرئيس الحريري ورفاقه، وجبران تويني، وسمير قصير، وجورج حاوي، وبيار الجميل، وانطوان غانم، ووليد عيدو وغيرهم لا يجوز ان تطمر من دون حساب.
اللبنانيون في غالبيتهم يريدون العدالة ان تأخذ مجراها بدءاً بالمحكمة الدولية، ويريدون فرض العقاب على المجرمين ويريدون مواجهة شهود الزور، علما بأن مدعي عام المحكمة الدولية، صرح بأن المحكمة لم تأخذ بشهادة زهير الصديق، وليتنا نعرف كيف نجد هسام هسام هذا الشاهد الذي اتهم آل الحريري برشوة وتقديم سيارة اليه، وقد هرب الى سوريا، واصبح لأسبوع وجهاً تلفزيونياً الى حين اكتشاف كونه شخصية تافهة وان السيارة البسيطة التي استأجرها وتركها على الحدود اللبنانية لم يدفع ايجارها.
ملحمة المحكمة التي أنهى أحد فصولها الرئيس ميقاتي اكسبته الرهان على قيادة البلاد، وكان الى جانبه بشجاعة معنوية واضحة الرئيس ميشال سليمان، كما ان وليد جنبلاط اختار المغامرة الى جانب الحق وربح الرهان. وفي الايام المقبلة ستعلق الآمال على هؤلاء القادة وعسى ان يكون للتيار الوطني الحر بعض النجاح في وزارات أساسية تبدى الفشل الذريع في اثنتين من اربع منها حتى تاريخه.
لبنان المساند للعدالة والقانون لم يعد مسرحاً هزلياً او تراجيدياً.