"الجامعة العربية تريد أن تكون في قلب التحولات السياسية والشعبية التاريخية التي تشهدها المنطقة وليس ضدها أو على هامشها ولذلك اتخذت قرارين كبيرين مارست بموجبهما حق التدخل المشروع في شؤون دولتين عربيتين لحماية المدنيين فيهما: الأول يتعلق بليبيا حين طلبت الجامعة من مجلس الأمن اتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية المدنيين فصدر القرار 1973 الذي مهد للتدخل العسكري الغربي وأدى الى سقوط نظام القذافي. والقرار الثاني يتعلق بسوريا إذ ان الجامعة تضطلع منذ أيلول بدور أساسي لإنقاذ هذا البلد من أزمته البالغة الخطورة، فطرحت مبادرة تهدف الى حماية المدنيين ووقف القمع والعمليات العسكرية ضد المحتجين المسالمين وإطلاق المعتقلين وإيجاد حل سياسي للمشكلة العميقة يشمل إقامة نظام جديد ديموقراطي تعددي مختلف جذرياً عن نظام الرئيس بشار الأسد. لكن نظام الأسد رفض دور المجموعة العربية ومبادرتها ووضع شروطاً تعجيزية لاستقبال المراقبين المكلفين الإطلاع على حقائق الأوضاع الأمر الذي دفع الجامعة الى تعليق مشاركة سوريا في اجتماعاتها وإخراجها من منظومة العمل العربي المشترك وفرض عقوبات سياسية واقتصادية ومالية وتجارية شديدة القسوة وغير مسبوقة ومدعومة من تركيا ومن جهات دولية بارزة على النظام السوري الذي صار منبوذاً عربياً على أوسع نطاق".
هذا ما قاله مسؤول عربي بارز في إتصالات مع جهات لبنانية ودولية. وأوضح ان خمسة عوامل رئيسية دفعت الجامعة وبموافقة الغالبية الساحقة من دولها الى اتخاذ قرار التدخل في شؤون سوريا هي الآتية:
أولاً – يهدف التدخل الى الدفاع عن قضية عادلة هي حق المدنيين السوريين في ضمان حماية عربية لهم من نظام يستخدم العنف والقتل والقمع لمنعهم من الحصول على مطالبهم وحقوقهم المشروعة أي الحرية والعدالة وسلطة القانون والكرامة وصلاحية إختيار ممثليهم ومسؤوليهم بأنفسهم ضمن نطاق نظام ديموقراطي تعددي يقوم على أساس التداول السلمي للسلطة من طريق إنتخابات حرة وشفافة.
ثانياً – فشل نظام الأسد في التفاهم مع شعبه المحتج وفي إيجاد حل سياسي – سلمي للمشكلة الخطيرة التي يعانيها بلده وتمسكه بالخيار العسكري – الأمني الأمر الذي يهدد بجر السوريين الى حرب أهلية ذات تداعيات بالغة الخطورة على لبنان والعراق والأردن وتركيا والمنطقة عموماً. وهذا يعطي مبررات مشروعة إضافية للتدخل.
ثالثاً – هذا التدخل يتفق وقرارات الشرعية الدولية ويحترمها إذ ان مجلس الأمن أصدر عام 2005 قراراً قدمته فرنسا يتبنى للمرة الأولى مبدأ "مسؤولية الحماية" ويدعو الأمم المتحدة الى التدخل بالوسائل المناسبة في شؤون بعض الدول لحماية الشعوب التي يضطهدها حكامها أو تلك التي تتعرض لانتهاكات فاضحة لحقوق الانسان كما هو الحال في سوريا.
رابعاً – هذا التدخل العربي ينسجم تماماً مع ربيع العرب ومع الإنتفاضات الشعبية التي تشهدها المنطقة وتطالب كلها بالحرية والكرامة والإصلاح والتغيير الحقيقيين وبتحرير الشعوب من الأنظمة المستبدة المتسلطة. فلم يعد الرأي العام العربي يقبل أن توفر الجامعة الحماية لنظام يضطهد شعبه المحتج ولم يعد يقبل أن يتذرع أي حاكم بالسيادة على بلده وقراراته لتوفير الغطاء لأعمال القتل والإعتقال والتعذيب التي يمارسها في حق مواطنيه.
خامساً – إمتناع الجامعة عن التدخل لإنقاذ سوريا والسوريين خصوصاً بعد مقتل الآلاف واعتقال عشرات الآلاف من المدنيين يشكل فضيحة ذات إنعكاسات إقليمية ودولية ويضعف الموقف العربي في التعامل مع المجتمع الدولي وقت يضطلع هذا المجتمع والدول البارزة فيه بدور كبير لوقف أعمال القتل والقمع في هذا البلد. فما يجري في سوريا دفع 122 دولة الى تبني قرار في لجنة حقوق الإنسان بالجمعية العمومية للأمم المتحدة " يدين بشدة إستمرار الإنتهاكات الخطيرة والمنظمة لحقوق الإنسان من جانب السلطات السورية ويطالب بانهاء هذه الإنتهاكات فوراً".
ورأى "ان هذا الدور النشط الجديد للجامعة العربية المدعوم إقليمياً ودولياً هو لمصلحة لبنان المستقل السيد والقوى اللبنانية المعتدلة الحريصة على أمن بلدها وسلمه الأهلي والرافضة لاستخدام القوة المسلحة ونهج الإغتيالات في الصراع السياسي الداخلي وإبقاء هذا البلد ساحة مواجهة مفتوحة خدمة للمصالح السورية والإيرانية".