لا يحتاج الامر الى العراضات السياسية ومحاولة الايحاء بالبطولات…والصراخ : ايها اللبنانيون. فما حصل كان متوقعاً وإن كانت الامانة تقضي بالقول إنه لم يكن معروفاً من اي جيب من جيوب هذه الدولة السعيدة سيخرج مبلغ الـ 32 مليون دولار لدفع القسط المستحق على لبنان للمحكمة الدولية .
بعد التمويل الذي طال القتال عليه، يمكن الآن الأخذ بنظرية النائب ميشال عون والقول إن "الفدية" دُفعت، ولكن لانقاذ "الحكومة الانقلابية" من السقوط وليس حرصاً على العدالة والحقيقة. وهي الفدية التي تشتري اربعة اشهر اضافية لهذه الحكومة لأن الاستحقاق المقبل اكثر دقة وحساسية، عندما تكون الحكومة مدعوة في آذار الى تجديد البروتوكول مع المحكمة.
بالنسبة الى الامم المتحدة ومجلس الامن، المهم ان التمويل قد حصل. اما بالنسبة الى اللبنانيين فقد جاء الامر في سياق المضحك المبكي فعلاً، اولاً لانه كان من الممكن ان يتأمن دونما حاجة الى الانقلابات وإدخال البلاد في اتون التعطيل والشلل ، وثانياً لأن الطريقة الالتفافية التي اعتمدت هي مدعاة للسخرية العميقة عندما يقال إن الاموال خرجت من حساب الهيئة الوطنية العليا للاغاثة وكأن لا علاقة للدولة بهذا الحساب، وثالثاً عندما قيل إن المبلغ الذي تم تحويله خرج من حساب الهبات والمساعدات الخارجية التي يتلقاها لبنان وكأن هذه ليست من "الاموال النظيفة"!
في اي حال، كان واضحاً قبل ان يقرع الرئيس نجيب ميقاتي الطبول ويخاطب اللبنانيين كمن يدهش العالم، ان الرئيس نبيه بري هو الذي رسم المخرج مع حيثياته الشكلية وتبريراته طبعاً، بعدما استحال التمويل عبر قرار تتخذه الحكومة مداراة لـ "حزب الله" او عبر مرسوم من وزير المال مداراة لعون لجهة ضرورة توقيع وزير العدل شكيب قرطباوي، فجاء الامر على طريقة "تهريبة التفافية"، لكنها في المحصلة السياسية تلزم لبنان مهما سمعنا من شطارات.
كان واضحاً ان دمشق في ساعات حشرتها تحتاج اكثر فأكثر الى ظهير منتدب يدعمها ويقف الى جانبها في المحافل العربية والدولية، ولهذا لم يكن من المناسب ان تسقط الحكومة اللبنانية التي تقوم بهذا الدور. وهكذا تولى " ارشيدوق الحلول" الرئيس بري هندسة "تمويل مزورَب" لا يحرج "حزب الله" ولا يلوي ذراع عون … وهذا التمويل، بخلاف ما فعل ميقاتي، لا يستحق ادعاء البطولات وقرع طبول الوطنية والحرص على لبنان.
ولا ندري بماذا أحس الرئيس بري امس وهو يقرأ كلام ميقاتي الذي قال إنه سحب البساط من تحت أرجل الجميع في المعارضة والموالاة عندما قررالتمويل بهذه الطريقة بالتفاهم مع الرئيس ميشال سليمان، وان "الخطوة جاءت بقرار خاص مني"… ضيعان الجهد يا ابو مصطفى ؟ !