تمويل المحكمة بأسلوب إلتفافي يزيد من صعوبة مقاربة ملف تجديد البروتوكول بعد أشهر
مؤشّر على هشاشة علاقة أطراف السلطة ببعضهم واستخفافهم بعقول اللبنانيين
"تظهير الحل الإلتفافي لتمويل المحكمة واستخدامه في تلميع صورة هذا الرئيس أو ذاك، يعبّر عن هشاشة في ممارسة السلطة"
الإخراج التي تم فيه تظهير الحل الحكومي لمشكلة تمويل المحكمة الدولية، وتسليط الأضواء عن قصد على الأدوار <الدنكيشوتية> التي لعبها رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة من أجل التوصل إلى هذا الحل <َالعجائبي> حيناً و<السحري> حيناً آخر، كما روّج لذلك بعض السياسيين الموالين والإعلام الدائر في فلكهم، وصولاً إلى توصيف ما حصل بأنه بمثابة <إنتصار> تاريخي وما شابه، في مسيرة الحكومة الميقاتية المتعثّرة بخلافات أطرافها المتواصلة إلى حدود الشلل النصفي الذي عطّل إنتاجيتها، وتصوير المعركة التي حصلت وكأنها بين الرؤساء الثلاثة وخصومهم في المعارضة، منافٍ للواقع والحقيقة ولتفادي الإشارة إلى المعترضين الحقيقيين على تمرير التمويل خشية إغضابهم وتجنّب ردود أفعالهم السلبية، وللتغطية على الخلافات العميقة التي تحكم العلاقة بين أطراف هذه التركيبة السلطوية القسرية والمتناقضة، التي قامت على أنقاض حكومة الوحدة الوطنية وقسمت اللبنانيين إلى معسكرين، وأدخلت البلد في متاهات صعبة وحالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني منذ أكثر من عام، وما يزال أركان هذه التركيبة يتجاهلون التأثيرات السلبية لممارساتهم التسلطية وتداعيات الانقسام الداخلي على الوطن ككل في ضوء تفاعل الأحداث والتطورات المتسارعة في الجوار العربي وتحديداً ما يحدث في الداخل السوري والخشية من تمدده الى لبنان في حال تطورها نحو الأسوأ في الاسابيع المقبلة·
فكل اللبنانيين يعرفون حق المعرفة، ان الخلاف الحاصل حول تمويل المحكمة الدولية، كان يدور مؤخراً بين رئيسي الجمهورية والحكومة ووزراء اللقاء الديمقراطي من جهة ووزراء <حزب الله> والموالين للنظام السوري من جهة ثانية، وكان قادة الحزب يصرحون في كل مناسبة بانهم ضد التمويل بالكامل ويدعون لانهاء كل علاقات الدولة اللبنانية مع المحكمة الدولية، ولكن يبدو ان الضغط الشعبي المحلي والعربي والدولي على اركان السلطة، أرسى واقعاً سياسياً جديداً، لم يستطع معه الحزب وحلفاؤه الاستمرار في رفض خيار التمويل، بالرغم من تحكمهم باكثرية الحكومة الحالية، خشية ان ترتد تداعيات ومخاطر هذا الرفض على الحزب نفسه، بعدما تناهت الى مسامع قيادية الاجراءات والتدابير التي يزمع المجتمع الدولي اتخاذها رداً على رفض التمويل·
وهكذا تم تخريج الحل بعد إفتعال تشنجات سياسية مصطنعة وادخال البلاد في اجواء متعمدة من التجاذب السياسي الحاد بين اركان السلطة انفسهم، وليس بينهم وبين المعارضة كما جرت العادة في أي اشتباك سياسي يحصل حول ملف أو مشكلة ما في البلاد· ولذلك كان مستغرباً ان تعمد الحكومة إلى تخريج تمويل المحكمة بهكذا اسلوب التفافي بعيداً عن طاولة مجلس الوزراء ما دام هذا الحل حظي في النهاية بموافقة حزب الله وكل المعترضين الآخرين والدفع تم من خزينة الدولة وليس من اي مصدر آخر وسيغطى بقرار حكومي، خلافاً لكل الادعاءات التجميلية التي تصدر عن المعترضين من هنان وهناك لتبرير هذا الحل الالتفافي، الذي لن يقدم أو يؤخر في خلاصة الحل الذي تمّ تظهيره في النهاية، وكان الاجدى لو تم الاتفاق عليه على طاولة مجلس الوزراء، لكان وقعه أفعل بكثير وزاد من ثقة المواطنين بمسؤوليهم، لانهم استطاعوا حل هذه المشكلة الخلافية بصراحة ووضوح فيما بينهم من خلال النقاش الموضوعي، لان مشكلة تمويل المحكمة الدولية ليست المشكلة الوحيدة التي تواجه هؤلاء المسؤولين وينتهي الأمر عند هذا الحد، فهناك مشاكل أخرى ذات صلة، لا تقل أهمية، وستواجه الحكومة بعد أسابيع أو أشهر قليلة جداً، كمشكلة تجديد البروتوكول مع المحكمة الدولية والتي لا يمكن اللجوء الى حلول مموهة أو التفافية، وانما تتطلب مكاشفة صريحة وموضوعية بين كل الأطراف المعنيين لايجاد الحلول المعقولة التي توفّر للبنان مظلة الأمان المطلوبة في ظل المتغيّرات المتسارعة في المنطقة وتبعد عنه تداعيات ومخاطر متوقعة من عدم تعاونه في أي جانب أو مطلب يتعلق بالمحكمة الدولية، لا سيما وأن مشكلة إلقاء القبض على المتهمين الأربعة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والمنتمين إلى <حزب الله> ما زالت ترخي بذيولها على العلاقة بين الدولة اللبنانية والمحكمة التي تنحو باللائمة على السلطات اللبنانية لعدم قيامها بالجهود اللازمة لإلقاء القبض على هؤلاء المتهمين وتسليمهم إليها·
ولذلك، فان تظهير الحل الالتفافي والاسلوب الالتوائي لمشكلة تمويل المحكمة الدولية، وكأنه <انتصار> سياسي للرؤساء الثلاثة أو لجهة استخدامه في تلميع صورة هذا الرئيس أو ذاك، إنما يعبّر في الواقع عن هشاشة في ممارسة السلطة واستخفاف بعقول النّاس، لأن المشكلة في الأساس كانت بين مكونات هذه السلطة والخسارة كانت لمن كان يرفض رفضاً قاطعاً لقيام الحكومة بتوفير التمويل المطلوب للمحكمة في الوقت المناسب وهو <حزب الله> الذي سيحاول قدر الامكان توجيه الأنظار إلى مشكلة أو ملف آخر لتفادي الإحراج الذي أصاب جمهوره تحديداً·