ماذا فعل رئيس مجلس النواب نبيه بري يوم الثلاثاء الماضي؟ على الأرجح أنه كان يقاوم سياسياً منعاً لسقوط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. هذه المرّة قاتل جنباً إلى جنب مع ميقاتي والنظام السوري. قبلها، كان له أن قاتل مع الرئيس فؤاد السنيورة لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، في تموز عام 2006.
خبير هو الرئيس بري في كيفية "إخراج" الحكومات من مآزقها. خبير أيضاً في كيفية ترك هامش له، يستطيع من خلاله أن ينقلب على كل ما قاله وما فعله برمشة عين. هي السياسة والتحالفات السياسية وضرورات الحال المعاش، التي تتحكم بما يمكن ان تُقدم عليه عين التينة.
ليس من أحد ينسى أو يتناسى، كيف وقف رئيس السلطة التشريعية في عزّ غارات العدو الإسرائيلي على كل متحرك، في جنوب لبنان وغيره من مناطق نالت نصيبها من الغضب الإسرائيلي. وقف مع السنيورة ليقول إن حكومة المقاومة السياسية كانت إلى جانب المقاومة على الأرض، تقوم بواجباتها. حينها، كان رئيس كتلة "المستقبل" اليوم، مقاوم من الدرجة الأولى. كان لابد من أن تكون حركة، توقف العدوان المتمادي: النقاط السبع، القرار الدولي رقم 1701، توقف العدوان، عادت إسرائيل من حيث أتت تاركة من ورائها الدمار من دون أن تُدرك أنها تترك "تشرذماً" وحالة سياسية مفتوحة على التخوين. تحوّل رئيس حكومة المقاومة السياسة إلى عميل وحكومته إلى متآمرة. ذهب بري إلى إيران، ومن عاصمتها بدأ حملته على الحكومة ورئيسها وكل من يؤيدها. انتهت الحرب، فتغيّرت المعادلة.
بالأمس، أخرج "المايسترو" الحكومة من عقمها. بسحر ساحر، حصل التمويل الذي كاد أن يودي بكل مفاعيل الإنقلاب الأسود. مقرّبون من رئيس المجلس لا يجدون في طريقة التمويل سوى وسيلة لإنهاء الأزمة، فبغض النظر عن الطريقة، على كل من على طاولة مجلس الوزراء أن يرضى بالواقع، ويبدأ بالبحث في أمور الناس وشجونها. هكذا هي الأجواء التي فرضها رئيس المجلس. بل هو أيضاً، وبحسب المقريبن، عازم على عدم الدخول في سجالات جانبية، ويصرّ على العودة إلى الحوار.
قد تكون اللحظة السياسية تُقلق بري كثيراً، ليس من عادته أن يقوم بهذا الحراك لحماية سوريا من الداخل، العادة كانت تؤشر إلى حراك يقوم به بري من أجل دعم موقف النظام السوري في مفاوضاته الخارجية، على مكاسب خارجية أيضاً، وليس بأي شكل من الأشكال في عزلته الداخلية. الحال انقلبت اليوم. أقلّه هذا ما يدور في مجالس "14 آذار" الخاصة. يؤكد جالسوها بأن ما حصل، ليس سوى إخراج ذكي لحكومة هي بمثابة وزارة خارجية للنظام المعزول في قصر المهاجرين.
بين عين التينة والسرايا الحكومي، هناك ما يمكن تلخيصه بامتنان عميق، وإشارات ودّ يرسلها ميقاتي إلى بري، الذي أمّن له تقطيع "قطوع التمويل"، ففرح الأوّل، محوّلاً هذا الفرح إلى مسيرات طرابلسية جوّالة، ورصاصات فرح واحتفال، شابهت بتفاصيلها ومفاعيلها، تلك السائدة والمسيطرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، فغاب رجل الدولة وحضر رجل الإنقلاب.
أمّا رئيس "حركة أمل"، فهو مرتاح لما قام به. أنجز المهمّة بساعات. كان باستطاعته إنجازها من قبل، إلا أن اللحظة السياسية لم تكن مؤاتية، والحشرة السورية كانت لتنتظر. وهناك في فريق المعارضة من يرى في هذا السيناريو رسائل متعددة الإتجاهات، ليس أقلّها وضع "حزب الله" في موقع حرج، ليس أمام جمهوره، بل أمام المحكمة. قيادة دمشق جعلته يعترف بمحكمة تطالبه بتسليم المتهمين لعدالتها. فقط لأنها بحاجة إلى الحكومة. يذهب هؤلاء إلى القول: بين بقاء النظام والتضحية بالحزب، الأولى هي الخيار الأوّل.
في الوسط، أي من يدور في فلك رئيس جبهة "النضال الوطني"، ارتياح لما قام به بري. العلاقة بين المختارة وعين التينة كانت وما زالت متينة، بالرغم من الغيوم السوداء التي تمرّ بين الفينة والأخرى. هاجس النائب وليد جنبلاط الابتعاد عن خط الزلزال السوري. احتواء "حزب الله"، فلبنان لا يحتمل أي تصعيد ومن أي جهة أتت، كل ما يجب القيام به هو تأمين الحياد، وعبره الإستقرار. يقول هؤلاء: استدراج أي فريق إلى المنازلة، سيكون كارثياً بحق الوطن، من أقصاه إلى أقصاه. من هنا يُفهم التناغم في الدعوة إلى حوار والتهدئة.
في "سيناريو" ليل الثلثاء. يقول المعارضون: ما أشبه اليوم بالأمس، وما أقرب واقعة الثلثاء من واقعة حرب تمّوز. هو مخرج فيه الكثير من الألغام، التي في حال انفجارها ستكون بعيدة عن عين التينة. وقد تكون هي (أي عين التينة) من تعمد إلى تفجيرها كما كان الحال في العام 2006. حينها، سيتحول الرئيس بري إلى مهاجم للادستورية المحكمة وتمويلها، ويُصبح ما قام به، هو مجرّد ضرورات تبيح المحضورات، تاركاً لميقاتي التنفيذ وتحمّل الأعباء.
يبقى التذكير، بأن مخرج بري، هو بحد ذاته، طريق "حزب الله" و"التيار العوني" للعودة إلى التشهير بالمحكمة ومن يريدها، وتسعير حملتهما عليها من جديد، في آذار المقبل. وقتذاك، رب سائل عن حال النظام في دمشق وحاجته إلى وزارة الخارجية اللبنانية.