#dfp #adsense

بقاء نظام مع حرب أهلية ليس انتصاراً

حجم الخط

المتابعون الموضوعيون للأوضاع المتفجرة في سوريا يعتقدون ببعض صحة في الاسباب التي جعلت القريبين من دمشق الذين ورد ذكرهم في "الموقف" يوم امس، متأكدين من امرين. الأول، عدم سقوط نظام آل الاسد. والثاني، استبعاد عمل عسكري خارجي يُسقِطه في حال عجزت الثورة الشعبية السورية عن ذلك. لكنهم في الوقت نفسه يلفتون الى امرين مهمين. اولهما، ان تلافي السقوط لا يعتبر انتصاراً وخصوصاً اذا تصاعدت الثورة الشعبية ضده. وثانيهما، ان استبعاد التدخل العسكري الخارجي ضد النظام السوري ليس انتصاراً وخصوصاً اذا كان البديل منه اقتتالاً اهلياً أكدت الأمم المتحدة أخيراً ان سوريا صارت على عتبته. ويعني ذلك في رأي المتابعين انفسهم ان انتصار النظام السوري لم يتحقق حتى الآن وقد لا يتحقق، وان تمكَّن بواسطة آلته العسكرية من البقاء وسط الدم والدمار في معظم المناطق السورية. ذلك ان في وضع كهذا لا بد ان يحصل تدخل ما بإجماع عربي او بإجماع دولي او بالإجماعين لايجاد حل للقضية السورية انطلاقاً من دوافع انسانية ومصالح حيوية واستراتيجية اقليمية ودولية. وفي حال كهذه تضعف امكانات استعمال حق النقض داخل مجلس الأمن، لأن الذين مارسوه اخيراً دفاعاً عن نظام الاسد انما انطلقوا من تلاقي مصالحهم مع مصالحه وليس مع مصالح الشعب السوري. وما فرض هذا التلاقي السياسة الغربية ولاسيما الاميركية التي لم تُراعِ حساسية روسيا "العظمى" سابقاً والصين الساعية لأن تصبح عظمى، وتالياً لم تأخذ في الاعتبار ان لهما مصالح حيوية وانهما تمتلكان القوة لمواجهتها بنجاح وإن جزئياً في اكثر من منطقة في العالم.

وكي لا يبقى كلامهم عاماً، يتناول المتابعون الموضوعيون انفسهم حجج القريبين من دمشق بالبحث والتدقيق، فيقولون ان اعطاء الجيش السوري الاوامر باستعمال اسلحته الثقيلة اليوم لن ينهي الثورة الشعبية. علماً ان ذلك ربما كان ممكناً عند انطلاقها. ذلك انه سيؤلب الشعب كله ضده، وسيدفع العالم الى اعتبار اركانه مجرمي حرب والى التدخل ضده قضائياً وسياسياً وعقابياً وعسكرياً. ولن يكون في وسع "داعميه" الكبار الاعتراض، لأن ما يجري لا بد ان يصوِّر للعالم ان هناك نظاماً ينحر شعبه. وعلماً ايضاً ان الامتناع عن عمل كهذا لم يكن لدواع ضميرية، بل لأن العالم سيعرف به فور حصوله وسيتحرك ضده جراء انتشار وسائل الإعلام. وهذا ما لم يكن متوافراً عام 1982.

اما الحديث عن "الجيش العقائدي" وعن الدولة الممانعة لاسرائيل لتبرير بقاء نظام الاسد منذ 41 سنة، فان المتابعين الموضوعيين اياهم يعلقون عليه بالقول ان وصف "الجيش العقائدي" لم يعد يقنع احداً داخل سوريا وخارجها. فالحزب الذي يفترض انه مصدره ترهَّل وضعف وأخلى مكانه لمجموعة حاكمة مدعومة من عصبية اهلية وعصبيات اخرى اضعف منها، تغطيها مجموعات من رجال الاعمال المستفيدة. فضلاً عن ان القومية، و"البعث" حزب قومي عربي، فشلت في ازالة اسرائيل وفي ردعها وفي استرجاع الاراضي منها. وفشلت في اسعاد شعوبها وفي تأمين حياة حرة وكريمة لها، وفي تأسيس اقتصاد مزدهر ونظام ديموقراطي. وفشلت في اقامة الوحدة العربية وفي المحافظة على عنفوان العرب وسيادة دولهم. وعلى هذا فان نظام الاسد كما امثاله استعملوا قضية فلسطين والاستعمار والصهيونية للحكم والتحكم والسيطرة. والشعوب صبرت على ذلك اولاً عن اقتناع، ثم على مضض واخيراً عن اكراه. لكن شيئاً لم يتحقق. فطفح الكيل من ممانعة او صمود او تصدي او حتى من سلام لم يجلب الرخاء وصادر بعض القرار الوطني وكان مجرد ذريعة للحكم.

اما بالنسبة الى الحجج الاخرى، التي يستند اليها القريبون من دمشق انفسهم لتأكيد استمرار النظام السوري، فان المتابعين يقولون ان تركيا تحتاج الى غطاء عربي ثم دولي للتدخل "الفعلي". وهو يتحقق تدريجاً، وإن مواطنيها اتراك اولاً، وجيشها وإن علمانياً لن يخذل حكومة اسلامية وصلت ديموقراطياً الى السلطة وتسعى الى دور اقليمي كبير لبلادها. ويقولون ان موقفي روسيا والصين قابلان للمعالجة بواسطة المصالح. اما رفض الشعب السوري "الاخوان المسلمين" في السلطة فأن المتابعين انفسهم يسألون: اليس القمع الذي تعرضوا له في سوريا وفي مصر وتونس وغيرها من الدول العربية ومعهم الشعوب بكل احزابها وفئاتها هو الذي جعلهم شعبيين ولا سيما بعد ثبات فشل الانظمة التي قمعت الجميع وفسادها وربما ما هو اكثر من ذلك؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل