كنّا ننتظر شيئاً ما "مميزاً" هنا، وهناك في لبنان، كجزء من تداعيات ما يجري في سوريا بعد قرارات الجامعة العربية، وعقوباتها، بحق النظام. قالها وليد المعلم، بطل الشريط الذي بث محتوياً على صور "مقاتلين" زعم أنهم يرتكبون المجازر ويروّعون "الشعب" في المناطق السورية، واكتشف أن الصور مأخوذة من لبنان، عام 2008… لشبان مسلحين في "صراع بين باب التبانة وبعل محسن"… رائع! هذا ما عشنا وخبرنا، مثل هذه الفبركات الإعلامية والسياسية، على امتداد نصف قرن في لبنان وأبعد منه. المهم، أن التهديدات التي أطلقها الوزير المعلم وسبق لمسؤولين آخرين أن أدلوا بدلائهم بها وأكثر، وجدت أخيراً تعبيراً في الجنوب اللبناني، وليس في مكان آخر، من خلال قذيفتي الكاتيوشا اللتين أطلقهما "مجهول" (معلوم) على إسرائيل. الرسالة وصلت، لكن مطلق القذيفتين لم يصل. (وهذا ما تعوّدنا في جماهيريات حزب الله العظمى في أنحاء جمهورية لبنان الصغيرة الصغيرة: "جمهوريات عظمى" في جمهورية أصغر منها!). الرسالة أدركت "سائليها" في فلسطين المحتلة من لبنان! رائع! أما لماذا لا تجد الرسائل بريدها السوري أو الإيراني إلاّ في لبنان، فهذا هو السؤال المعروف سلفاً. كدنا نتوقع أن تستدر تهديدات المعلم "همة" الممانعين في الجولان، فيجعلوها ورقة ضغط قومية ووطنية، لكن خاب "فألنا"! سبق أن جرّب "الاخوان" في أول أيام "الثورة"، لكن يبدو أن الرسالة المضادة أقنعتهم بترك "الجولان" المحتل، و"المُهوّد" وشأنه سالماً سليماً آمناً وأميناً كما عهدناه طويلاً!فالجنوب اللبناني في عهدة حزب الله أسهل، وأشهى، وأجمل؛ إذ يكفي أن ينصب أحد "الشبيحة" (الممانِع!) قاعدة إطلاق ويصوّب قذيفة الى إسرائيل، لتحمل هذه القذيفة معها رسالة ليس الى العدو بالضرورة، بل الى الغرب "الخائف على مصير ذلك الكيان". وعندما كنّا نصغي الى تهديدات النظام السوري بإحداث زلزال في المنطقة إذا تعرّض لسوء أو "لاعتداء" كنا نثق الثقة كلها بأن الزلزال لن يكون لا في تل أبيب ولا في المراكز النووية الإسرائيلية. ولن يكون لا في الجولان ولا في العراق (اليوم)، ولا في الأردن… وطبعاً لا في إيران! فالزلزال، بفضل "المياومين" المقاومين الممانعين المقاولين عند الوصايتين، لا يحدث إلاّ عندنا! (هل ترتبط حرائق الممتلكات الخاصة في صيدا ببوادر هذا الزلزال؟)، والأدوات والقمصان والكاتيوشا والقذائف، والمحترفون موجودون على أهبة الاستعداد، ينتظرون "قراراً" من بلاد الشام أو من بلاد عمر الخيام… حتى ينفذوه… ولا بأس إذا صدرت "استنكارات" من حزب الله أو من سواه، وتبرئة "ذمم" و"كلنا للوطن" و"إيه لبنان!"! فهذا جزء من عدة التضليل، والتمويه. وكم خبرنا مثل هذه الأساليب عند طغاة العرب وإسرائيل على امتداد حروبهم على هذا الوطن الصغير إزاء كل مؤامرة عليه، أو تفجير أمني، أو جوله عنف… أو حتى مذبحة، أو اغتيال أو قصف! كأن الأشخاص يتغيرون والأسلوب واحد.
السؤال القديم الجديد: لماذا على لبنان أن يدفع فاتورة الآخرين من أمنه، واقتصاده، وأرواح أبنائه واستقراره، ودولته، وأهله! لماذا كلما "دق الكوز بالجرة" ينتاب اللبنانيين القلق على مصيرهم؟ لماذا علينا أن ندفع ضريبة باهظة دائماً، في حال "ازدهار" النظام السوري وقوته، وجبروته، وهيمنته، ومتاجرته بالأوراق العربية، لقاء صفقات هنا أو هناك؟ ولماذا علينا كذلك أن ندفع الضريبة ذاتها عندما يقع في أزمة كأن نجد أنه من واجبنا أن "نعوّض" عليه من حسابنا؟ فإذا ارتبكت العلاقة بين هذا النظام وبين أميركا… فنحن مكسر عصاها، وإذا "تخانق" هذا النظام مع أوروبا… فنحن مكسر عصاه! ورقة! قُصاصة! هذا ما يجب أن يكون عليه لبنان: لا شعب، ولا دولة، ولا سيادة، ولا استقلال، ولا ديموقراطية، ولا وزارة… كل هذه بالنسبة الى أركان البعث في سوريا… أوراق بأوراق، ترمى واحدة، وتسحب أخرى: وبين الرمي والسحب خراب، و7 أيار، وحروب بين المذاهب، وقذائف، واغتيالات، وتخوين، وترعيب، وتسفيه! فأنا كلبناني، وبفضل عملاء سوريا وإيران، عليّ شئت أم أبيت أن أكون دائماً جاهزاً لأكون "أضحية" على مذبح هؤلاء، ليحققوا عبري، وعبر اللبنانيين صفقاتهم مع هذه الجهة أو تلك! مثلاً، الجولان محتل و"مُهَوّد" منذ 40 عاماً! (ولواء اسكندرون حذف من الخريطة السورية الجديدة بكل ممانعة وسيادة، ونضال وتصد وصمود!). طيب! فاللبناني، إزاء هذه الهدنة بين إسرائيل وسوريا… عليه أن يصدق بكل إيمان وثقة، بأن مواجهة الجيش السوري لإسرائيل في الجولان، هي خدمة لإسرائيل! بل أكثر: عليّ أن أصدق أن ترك العدو الصهيوني في هذه المنطقة العربية العزيزة (تماماً كما لواء اسكندرون)، يسرح ويمرح، من دون أن ترمى عليه وردة، أو قذيفة على امتداد 40 عاماً… هي ممانعة! أكثر: عليّ أن أعترف بأن المواجهة بين سوريا وإسرائيل تمر بالمفاوضات، (ولهذا السبب قد حيّد الجولان)، وأن أي مفاوضات بين لبنان وإسرائيل… ممنوعة تحت ذريعة أن لا مفاوضات مع المحتل! رائع! نستنتج من كل ذلك أن على اللبنانيين أن يصدقوا أن الممانعة بأسلحتها وصواريخها ومدافعها وأبطالها لا تجوز "شرعاً" ووطنياً، وعروبياً، وولاية فقيهٍ وجنرالاً (عون) إلاّ في الجنوب اللبناني المحرر. فكيف تكون مقاومة على أرض محرّرة، ولا تقوم على أرض محتلة! غريب؟ (إسألوا السيد حسن نصرالله!). وكيف تكون مزارع شبعا سورية بالنسبة الى السوريين ليلحقوها بالمفاوضات، ولبنانية عند حزب الله لتكون ذريعة لبقاء السلاح في يده! "حيص بيص"؟ لا! كل هذا مدروس. لأن لبنان عانى هذه الحالة على أيدي آخرين، عندما كان الجنوب ورقة الحرب والسلم عند المقاومة الفلسطينية و"فتح لاند"، ودفع أهلنا هناك الأثمان الباهظة من تهجير وقتل وتدمير… وفساد بعض المهيمنين، حتى فضّلوا "العدو" عليهم برشّ الرز والزهور على دباباته في نهاية السبعينات! تأمّلوا! يقال اليوم، إن الوضع تغير. فأمس لم يكن عندنا جيش. ولم يكن عندنا جيش لأنهم قسموه بمال القذافي وصدام حسين وإسرائيل وحافظ الأسد وسلاحهم! وتقسيم الجيش يعني تقسيم البلاد. ويعني الحروب "المذهبية" المدبرة. ويعني غياب الإرادة اللبنانية سياسياً وعسكرياً عن أي دور. ويقال اليوم صار عندنا جيش. رائع! وصار عندنا يونيفيل على الحدود ما بين حزب لا يزال يحمل السلاح (؟) وبين عدو! يعني كأن هناك ساتراً "ترابياً" كالذي كان يرفع بين الميليشيات أيام الحروب وبين "خلايا حزبية تبدو نائمة" بعين واحدة، وبين عدو يحمّل الجيش اللبناني مسؤولية كل صحوة لهذه الخلايا (العميلة) بقذيفة، أو برشق! وبين هذه الصحوة… وذلك الرد… يعود لبنان ليكون هو الساحة الوحيدة (بفضل حزب الله!) "الممانعة"، و"المتصدية" والمناضلة من أجل "الأمة" (أي أمة يا سيد حسن، وهل يحق لك أن تتكلم باسمها بعد الربيع العربي!). لكن سواء كان العدو مبادئاً، أو حزب الله (أو بعض متفرعاته)، فالقرار اللبناني غائب. ذلك لأن ما يقدم عليه الحزب لا يتم إلا بقرار من لدُن إيران أو من لدُن النظام السوري! والجنوب اللبناني إحدى محافظات جماهيرية حزب الله العظمى، منفصل تماماً عن لبنان ما عدا هذا الشريط المختلط بين الجيش واليونيفيل. فأين الدولة؟ بَحْ! بَحْ! وأين السلطة؟ وأين الحكومة؟ وأين البرلمان؟ كأنها كلها أدوات جاهزة في خدمة "جماهيرية" الوصايتين. وقد تُرك لبعض المؤسسات الأمنية والعسكرية حيّز "شكلي" وإعلامي ليس أكثر من تعليق عابر… وتحقيق نظري إزاء كل حادثة، أو معركة، أو حرب… أو إطلاق قذائف من الأرض اللبنانية. وقد "أثلج" صدورنا قبل أيام عدة… عندما توصل اليونيفيل والجيش الى اكتشاف المكان الذي أطلقت منه قذيفتا الكاتيوشا! رائع! حتى عندما يحدث انفجار ما في موقع ما أو في شقة ما (جماهيرية الحزب) أو في قاعدة… يمنع الجيش والقوى الأمنية من الاقتراب من أمكنة الحوادث عبر تطويقها من قبل جيش الحزب! رائع! (حتى عندما دوّت فضيحة صلاح عزالدين، مادوف لبنان تسلمته أولاً "مخابرات" وأجهزة الحزب، وأُخذ منه ما أُخذ… ثم سلّم الى الدولة "نظيفاً" "مهفهفاً"!).
فحزب الله برهن قبل أيام، أي من خلال إطلاق قذيفتين على إسرائيل، أن الجنوب ولبنان ما زالا ورقة، مجرّد ورقة، ورسالة، مجرّد رسالة، وحدوداً سائبة مفتوحة على سوريا… وإيران، واقعياً ونظرياً! فوليد المعلم، هدد بالزلزلة، وقبله الرئيس بشار، ومعهما أحمدي نجاد، من دون أن ننسى "أعظم رئيس في العالم"، أي خامنئي، الذي لطالما أعلن انتصار إيران في لبنان على أميركا او سواها! و"بيمون" الولي الفقيه دام ظله. فنحن عسكره! وأضحياته وأرضنا من ترابه وسماؤنا من صلواته! و"بيمون" كل من يمونون على حزب الله! ولو! وإذا "تنفّس" بعض اللبنانيين أو غضبوا، أو انتقدوا فالويل الويل. "جهنم لهم" (يتكلمون عن جهنم وكأنهم آتون من فورهم منها). الويل! الويل! كيف يحق للعملاء أن يفتحوا أفواههم. أن يرمشوا بأذن الوصايتين. وإذا أرادوا الاستراحة قليلاً عن لغة التهديد والتخوين أوكلوا المهمة الى "أبي الهمم" ميشال عون، (اتهموه سابقاً بالعمالة الخالصة لإسرائيل!)، أو لبعض المخبرين عند هذا الجهاز أو ذاك. ولو حاولنا إيجاد خيوط مشتركة بين قذيفتي الكاتيوشا اللتين أطلقهما أحد أعداء لبنان باسم أعداء لبنان المياومين وبين ما يجري في الشمال من محاولة تعقّب النشطاء السوريين وخطف بعضهم وحصار النازحين، وتلغيم الحدود مع لبنان، واختراقها من قبل جنود النظام وهجانته، وبين إحراق السيارات في صيدا… وأخيراً بين تمويل المحكمة برغم الرفض المطلق "لأبو الميش" (ما غيرو!)، وللسيد حسن نصرالله، وأبواق الوصايتين "المحكمة وصُباطي سوا!"… فنجد وبكل سهولة، أن هناك جهة واحدة "مزلزلة" وراء كل ذلك! فالذي أسقط حكومة الرئيس سعد الحريري، وألّف حكومة القمصان السود، هو الذي يمكن القول إنه وراء "إطلاق" الكاتيوشا، ويكاد يكون نفسه من "يحرق" الممتلكات في صيدا… وهو أيضاً الذي "أنقذ" حكومة ميقاتي بتسديد حصة لبنان من تمويل المحكمة! وكل هذه "الظواهر" مرتبطة بما يحدث من سوريا. وكل ذلك مرتبط أيضاً بالربيع العربي الذي أسقط حتى الآن أربعة طغاة… (مصر، اليمن، تونس وليبيا) وللحديث صلة بإذن الشعب العربي!
والغريب أن الذين يساعدون النظام السوري في ممانعته الثورة، يتهمون الآخرين "بالتدخل" إذا أيّدوا الشعب، أو تظاهروا لنصرته. والذين راهنوا على هذا النظام عقوداً ينصحون الآخرين بعدم المراهنة على سقوطه! والذين يحاولون الترويج لحرب أهلية مزلزلة في لبنان، هم الذين يروّجون لاحتمال حرب أهلية في سوريا! والذين يتهمون 14 آذار بإرسال سلاح ومال الى المعارضة السورية، هم أنفسهم الذين لا يتورعون عن إرسال السلاح والمال (إسألوا العراق وإيران) والذين اتهموا المحكمة بأنها إسرائيلية أميركية مسيسة عميلة هم أنفسهم وبفرمان من النظام البعثي نفذوا تمويل المحكمة… لتجنب سقوط الحكومة، آخر حلفاء هذا الأخير من العرب…
مع هذا ما زالوا يسمون أنفسهم "مقاومة" و"ممانعة" ومع هذا ما زالوا يذرفون دموع التماسيح على واقع الاقتصاد اللبناني، والأمن، واهتزازه: فالحكومة هذه جهاز، مجرد جهاز أمني مرتبط بجهاز أمني حزبي وإقليمي! فأي حكومة "أمنية" هذه يمكن أن ترى أبعد من أنفها! أو تصل الى أكثر من أصابعها، أو تحكي بأكثر من شتائم وتواطؤ وتهديد…!