لم ينتصر نجيب ميقاتي في قراره تمويل المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان. الأصحّ أنّه تسبّب لنفسه بشبه هزيمة. فلقد تسلّل من المواجهة الدستورية في مجلس الوزراء، بأن حوّل التمويل إلى عملية إغاثة: جعل من احترام لبنان القرار الدولي حالة إنسانيّة. مساعدة لشخص (هنا مؤسّسة) في حالة الخطر.
كان يمكن للمخرج الذي تحدّث عنه بمنطق الخبير العارف، وحتى الممعن في المعرفة، الدكتور حسن الرفاعي، أن يكون أكثر دستورية، لكنّه كان سيحرج بعض توليفته الحكوميّة، ويفضح، بشكل أوضح، عجز أطرافها عن المواجهة معها، والتي تزعمها في وجه اللبنانيّين.
لكنّ المحكمة لم تكن تحت الخطر. هو لبنان من كان كذلك. والرئيس ميقاتي يعرف، ومعه رئيس الجمهورية، وكذلك الحزب القائد والجنرال القبضاي. حتى النظام في سوريا لم يكن يجهله، ولم يكن خارجه. فهو يعرف أنّه سيضيف جديدا إلى المخاطر التي يعيشها منذ 15 آذار 2011: فلبنان أبرز متنفّس له تحت العقوبات العربية والدولية، وليس من مصلحته أن تقفل النافذة اللبنانية بتدابير دولية تأديبيّة تعمّق حصاره.
لم ينتصر ميقاتي. لكنّ الحزب القائد انهزم، وكلّ خطابه السياسيّ عن رفض التمويل، ورفض المحكمة، وعدم "الاعتراف" بها، كان أضغاث أحلام ومزاعم. ولن ينفع قول "صناجاته" غدا أنّه لم يوافق، والردّ أنّه لم يعارض، وأنّ هذه الحكومة، التي شكّلها "من الباب إلى المحراب" لم تستطع أن تهرب من الاستحقاق الذي وتّر نهارات اللبنانيّين وبيَّض لياليهم وهو يهدّد بالتصدّي له. الأسوأ، بالنسبة إلى الصورة العامّة التي جهد لتثبيتها، تحديدا منذ انقلب إلى اللعبة السياسيّة الداخلية، هي أنّه العارف ليس بما جرى بالأمس وما يجري اليوم، ولكن، أيضا، بما سيجري غدا، لم تعد براقة كما أرادها.
تقول العرب "إنّ الأمور بخواتيمها"، وتقول الوقائع إنّ الحزب الذي تنصّل من كثير ممّا التزم به أمام اللبنانيّين، يبدأ، مع تمويل المحكمة مسلسل سقوط التزاماته أمام شارعه الخاص.
أسقط في وجه اللبنانيّين التزاماته العديدة في اجتماعات طاولة الحوار واتّفاق الدوحة: عدم استخدام السلاح في الداخل. عدم تعطيل مجلس الوزراء. عدم تخطّي صلاحيّات رئيس الوزراء. عدم الاستقالة من الحكومة (السابقة). عدم النزول إلى الشارع. عدم تعطيل المؤسّسات. الموافقة على المحكمة الدوليّة. العمل على إنهاء قضيّة السلاح خارج المخيّمات الفلسطينيّة. العمل مع النظام الحليف في سوريا لإقناعه بتحديد الحدود. التوافق على استراتيجيّة دفاعيّة.
كانت التزامات الحزب جزءا من معالجة استيعابيّة لمشروعه المناقض للدولة اللبنانيّة والساعي إلى وراثتها أو القبض عليها. أسقطها جميعا بالتدريج، وتنكّر لها عمليّا، أوّلا بأوّل. اليوم مع نكوصه عمّا أوحى لجمهوره بقدرته على تنفيذه من استعراض قوّة يبدو أنّه يفتح الطريق أمام سلسلة تراجعات ستمليها براغماتيّة حليفيه الإقليميّين، اللذين يستشعران مخاطر المرحلة عليهما. وتراجعه الراهن يفضح كلّ زعم سابق أطلقه عن استقلال مشروعه اللبناني. فهو إمّا كان مخطئا في تهديداته المحكمة نتيجة سوء تقدير، وهو أمر لم يعترف به، وإمّا أنّه خضع لمصالح الحلف الاستراتيجيّ الذي يضمّه، وهو أمر لن يقرّ به.
كان يمكن الحزب القائد أن يلتفّ على زعمه ويعلن الموافقة على تمويل المحكمة تحت عنوان الحرص على الاستقرار الداخليّ وتجنيب البلاد أن توضع تحت المجهر الدولي إلى جانب النظام السوريّ، لكنّه لم يستطع أن يتعقلن، بل نجح في تأكيد الاستتباع للحلف، ورجحان الاقليميّ في قراره على الوطني.
قد يروّج البعض أنّ الحزب قدّم الحكومة على المحكمة لينقذ الاستقرار، لكنّه قول يتجاهل أنّ "الأمين العام للدولة اللبنانيّة" لم يكفّ، حتى ظهوره المتلفز الأخير، عن تأكيد تمسّكه برفض التمويل. وهو ما ينطبق، أيضا، على القول إنّ الحرص على أن يكون لبنان مستقرّا "ليكون ظهيراً لسوريا" يفضح أمرين، أوّلهما أولويّة النظام السوريّ لدى الحزب على لبنان، وثانيهما أنّ هذا "الهَم" يفترض أن يكون لدى صاحبه منذ مطلع الأحداث في سوريا، فلمَ لم يتنبّه له يوم صعَّد عرض عضلاته على المحكمة.
الجواب المستنتج أنّ التهديدات بتدابير دوليّة كسرت عين التهديد، وأنّ الحزب اليوم أمام ضرورة استدراك خطأ استنفار جمهوره في مواجهة المحكمة، ثمّ التراجع وتخييب انتظاراته في هذا الصدد. لذا تولّى ألأمين العام، شخصيّا، إعادة إطلاق نغمة شهود الزور لشدّ عصب جمهوره، والتعمية على مشهد الضعف الذي بدا عليه وهو يتلقّى قرار التمويل وصمت الحزب عليه، ثمّ محاولة فلسفة هزيمته السياسيّة في هذا البند.
سيكون "الشهود الزور" إيقاع الآتي من الأيّام علّه يقدم لشارع الحزب "قضيّة" ترفع المعنويات. لكنّ المحكمة الدوليّة سارعت، ربّما من دون أن تقصد، إلى تحويل التسديدة الجديدة إلى ما يشبه لكمة في الهواء، حين أعلنت "أنّ إفادات بعض الأشخاص للجنة التحقيق الدولية، التي حصلت قبل وجود المحكمة ليست من اختصاصها"، لافتة الانتباه إلى أنّ "الإدلاء بإفادات مضلّلة للّجنة يعتبر جريمة في القانون اللبناني، لذا قد يكون من الممكن للقضاء اللبنانيّ ملاحقة من قام بذلك".
كانت خطة الحزب، و"الضبّاط الأربعة" تقديم الدعوى أمام المجلس العدلي باعتبارها جزءاً من القضيّة المطروحة على المحكمة الدوليّة، التي، عليها عند ذلك، وقف النظر في الدعوى الأصليّة حتى البتّ، فلبنان، بالدعوى الفرعيّة.
ما أذاعته المحكمة أسقط الكمين، ولو أنّ السؤال الأساس في شأن المجلس العدلي هو هل أنّ الشهود الزور من اختصاصه؟
جواب العارفين القانونيّين أنّ المجلس العدلي ينظر في القضايا التي تهدّد أمن الدولة، فهل إنّ توقيف الضبّاط، وفق القانون الذي أقرّ بإلحاح من الرئيس السابق أميل لحّود، وضدّ إرادة مجلس النوّاب، أمر يهدّد، أو كان يهدّد، أمن الدولة؟
