يدأب في هذه الأيام جهابزة السياسة في "التيار الوطني الحر" على محاولة ذرّ الرماد في العيون قائلين إنهم لم يكونوا على علم بـ"تخريجة" تمويل المحكمة كما أنهم يعتبرونها غير دستوريّة إلا أنهم احتراماً لمبدأ الديمقراطيّة لم يقوموا باتخاذ المواقف التصعيدّة. فيما لم يغب عن ذاكرة اللبنانييّن جملة التصاريح والإتهامات التي ساقها الجنرال رئيس هذا التيار في كل "مؤتمر هستيري" له مساء كل ثلثاء بعد اجتماع تكتل "التغيير والإصلاح" من جهة، ومؤتمرات النائب محمد رعد المغلفة بالخبرة القانونية للقاضي سليم جريصاتي في مجلس النواب وصراخ الأمين العام حسن نصرالله من جهة اخرى.
إن هؤلاء يدعون أن لا علاقة لهم بإحالة مستحقات لبنان المتبقيّة من تمويل المحكمة، فهم لم يصوّتوا على إقرار التمويل وإن ما تم كان صنيعة من يطلقون عليه لقب رئيس لهذه الحكومة نجيب ميقاتي من دون أن يقرّوا له بما اعطاه إياه الدستور من حق في انه ناطق باسم الحكومة جمعاء بحكم ترؤسها. لذا في هذا الإطار يهمنا التذكير بالنقاط الثلاث الآتيّة:
1- إما أن يكون ميقاتي رئيساً لهذه الحكومة او لا يكون. وبما أنه قانوناً كذلك، فإن ما قام به البارحة كان باسم الحكومة مجتمعة وليس باسمه الشخصي لانه لو صح ما يقولونه عن أن لا علاقة لهم بما قام به ميقاتي والذي وحده يتحمّل مسؤوليّته. فهذا يعني "à la 8 Mars" انه إستأثر بالقرار الحكومي ومدّ يده من دون وجه حق على أموال الدولة اللبنانيّة وفي هذه الحال واجب محاسبته.
2- إما ان يكون "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" شريكان في هذه الحكومة وجزء منها أو لا يكونان. لأنه وبما أنهما قانوناً ممثلين بـ12 وزيراً فيها فهذا يعني أنهما ليسا فقط مشاركين وإنما لهما القدرة على التأثير في القرار داخل الحكومة لا بل مصيرها تحت رحمتهما لامتلاكهما الثلث المعطل.
3- لا بد من العودة إلى ما ابتدعوه من "ثلث ضامن" والتذكير في أن من يقومون اليوم بالتسويف والتضليل هم من ابتدعوا نظريّة "المشاركة في صنع القرار" فأين هم اليوم من هذه النظريّة؟ وإن صح أن لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بالتمويل وهم يرفضونه رفضاً قاطعاً على ما اعلنوه سابقاً فلماذا لا يستعملون ما اعطاهم إياه الدستور من حقوق؟
بناءً على ما تقدم يهمنا ان نسأل:
1- كيف لـ"التيار الوطني الحر" و"حزب لله" ان يرضيا أن يكونا جزءاً من حكومة يقوم رئيسها بالإستئثار بالسلطة وباتخاذ قرارات مصيريّة كتمويل المحكمة من دون موافقتهما؟ أوصل بجماعة عون و"حزب ولاية الفقيه" مرض "الألزهايمر" حد نسيان الذريعة الأساس التي كانت سبب إحتلالهم وسط العاصمة بالخيم ومحاصرة السراي الحكومي وشل البلاد؟
2- كيف يسمح "حزب الله" الذي أسقط حكومةً عبر انقلاب بالقمصان السود ونقض عهوده العربيّة وقلب الطاولة على من مدّوا له يد المشاركة والمصالحة بتمويل "المؤامرة الأميركيّة – الإسرائيليّة" التي تستهدفه؟ ولماذا لا تتحرك "المقاومة" اليوم لدرء العدوان؟ أم أن هذا الـ"عدوان" مغاير لـ"عدوان 5 أيار 2006"؟
3- كيف يسمح الجنرال الذي يدّعي أنه وحده "الوطنيّ الحريص على الوطن ومستقبله" بأن يموّل "مشروع الفتنة" في البلاد؟ أم أن هذه المرّة لا فتنة في التمويل لأن فيه مصلحة لـ"الباب العالي"؟
4- كيف يسمح الجنرال وهو "ربّ الشفافيّة" بإستمرار وزرائه أعضاءً داخل حكومة أقرّت التمويل للمحكمة "غير الدستوريّة"؟ أم أن هذه المرّة السكوت عن الجرم لم يعد مشاركة فيه؟
5- كيف يسمح الجنرال الذي وعد بقطع يده قبل إقرار التمويل أن يقوم ميقاتي بهذه الخطوة الإستئثاريّة؟ ألم يعد لديه اليوم مصداقيّة أمام الناس تجبره على الإستقالة كما يزعّم دائماً وآخرها عندما قاطع وزراؤه الحكومة؟
6- كيف يسمح عون وهو "الوحيد الجدير بالإصلاح" و"الوحيد الذي يحق له الإعتراض" بأن يستمر على رأس حكومة لبنان رجل مد يده إلى مال الدولة اللبنانيّة من دون وجه حق، إذا ما ارتكزنا على ما يدعيه "التيار" و"الحزب" في هذه القضيّة.
بناء على ما تقدم، من الواضح أمام عيني كل منطقي في هذه البلاد أن ما سرّبته الصحف ونقلته عن مصادرها هو عين العقل والحقيقة في أن الرئيس ميقاتي قام بتحويل المال بعد موافقة "حزب الله" والجنرال عون بشكل ضمني، وما كان لينضج هذا الحل لولا "أبو الهمات عند الحاجة" الرئيس نبيه بري "ساحر الحلول السياسّيّة – اللادستوريّة" لإنهاء الأزمات. ومن منا لا يذكر طريقة انتخاب الرئيس ميشال سليمان او تاليف هذه الحكومة و"ارنب عجقة السير".
ولا يمكننا أن نغفل الدور السوري في هذه "التخريجة" وما تناقلته الصحف عن موفد لبناني زار الشام لأخذ البركة للمضي بالتمويل. وهذا أمر غير مستغرب في ظل إرتهان هذه الحكومة الكلي للنظام الأسدي في سوريا. فهي بالنسبة للأخير تشكل الرئة الوحيدة المتبقيّة له كي يتنفس إن على الصعيد المالي عبر تشريع السوق النقديّة اللبنانيّة أمامه بعد إغلاق الأسواق العربيّة بوجهه بحكم العقوبات العربيّة، ام من الناحية الامنيّة والإستراتيجيّة حيث يستعمل الساحة اللبنانيّة صندوق بريد لإرسال رسائله الإقليميّة. فما عمليّة إطلاق الصاروخين الأخيرة سوى رسالة سوريّة إقليميّة عبر موقع بريدها في قوسايا.
من جهة أخرى، لا يخفى على أحد أن استمرار هذه الحكومة في لبنان يعود بالفائدة على النظام الأسدي في سوريا. اولاً بسبب لعبها كما راينا سابقاً دور الممثل الديبلوماسي للنظام الأسدي إن في مجلس الامن أو في الجامعة العربيّة. وثانيّة لأن ما يطلقون عليها إسم الديبلوماسيّة البنانيّة هي فعلياً الوحيدة المتبقيّة للنظام الأسدي كي تلعب دور أذنه الصاغية وفمه الناطق في المحافل الدوليّة والعربيّة، خصوصاً بعد إقفال أبواب "الجامعة العربيّة" بوجه "شتّامي" آل الأسد.
في النهاية، على عون ألا يصطاد في الماء العكر ويبخ الأضاليل في أن لا علاقة له بتمويل المحكمة، لان الجميع على يقين أنه وافق ضمناً عليه. أما إن كنا مخطئين وهو فعلاً يصدق في ما يقول فالرابيّة موجودة ومنابرها مفتوحة ليقم وزراؤه بتكرار ما اعتادوا على القيام به سابقاً، وليطل علينا صهره معلناً سقوط الحكومة!!! ولكننا في الحقيقة جد واثقين من عدم قدرتهم على القيام بذلك لأنه كما أتاهم امر الدوس على اعتراضهم "المبدئي" كما يدعون على تمويل المحكمة والمضي بما يتوافق مع مصالح النظام الأسدي، ستكون المعادلة على الشكل الآتي: "في زمن سوريا المأزومة تصبح مبادئ الجنرال "مرحومة".