كتب قيس حسين رشيد في صحيفة "النهار": الماء سر الوجود، وفقدانه في أي مكان يعني القحط والموت. المتحف الوطني العراقي الذي يضم بين جدرانه أقدم اللقى الأثرية (أدوات وآلات حجرية بدائية تتمثل في فؤوس ونصال ومقاشط، يرجع تاريخها إلى العصر الحجري القديم الأدنى وقد حدد تاريخها نحو 60 – 100 الف سنة) يعاني شحاً مزمناً في مياه الشرب والري، وهذا يعني مما يعنيه موتاً محققاً لتراث وادي الرافدين العظيم، وهو موت معلن يتخطى حدود الموت الرمزي، يؤكده عجز الدولة عن ايصال الماء الى دورة المياه العادية، فضلاً عن مختبر المتحف وري مزروعاته.
يالها من مفارقة كبرى؟ متحف الحضارة المائية التي نشأت على ضفاف الأنهار يفتقر إلى الماء!
"النهار" كانت لها جولة في الهيئة العامة للآثار والتراث التي تأسست تحت اسم الدائرة "الاركيولوجية" عام 1920، وتضم الى جانب دوائر سبع، دائرة المتحف العراقي الذي تأسس عام 1923. وكان لها لقاء مع رئيس الهيئة قيس حسين رشيد.
قصة الماء
سألته أولاً عن قصة الماء المفقود في المتحف، فأجاب: "تستغرب ان قلت لك إننا نعاني شح المياه! هل يصح ذلك؟ متحف عراقي ووفود أجنبية رفيعة تحضر وليس لدينا ماء. نحن نتبع منطقة العلاوي (تقع في جانب الكرخ) المعروفة بشح المياه والمتحف حاله كحال المنطقة السكنية، المزروعات يبست والإهمال سببه انقطاع المياه فترات طويلة. اضطررنا الى حفر آبار، وجفت لانخفاض مستوى نهر دجلة".
¶ لعلّ الحكومة تفكر في ان المتحف ليس في حاجة الى الماء؟
– (يضحك) نعم، لكن دورات المياه العادية تحتاج اليه. لا تجد المياه أحياناً في دورات المياه ولدينا مختبر في حاجة الى الماء. في عقد السبعينات من القرن الماضي كان يغذي المتحف أنبوب ماء خابط (غير مصفى) لري المزروعات. اذا كانت الدهشة استشرافاً لأحاسيس لم نعهدها من قبل، فانا مندهش تماماً، هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها متحف بلادي… بلادي ذلك المتحف الكبير! يجدر بي الشعور بأسف شديد، ويجدر أيضاً أن اشعر بالعرفان لمهنة الصحافة التي وفرت لي تلك المشاهدة وذلك الطواف في تاريخ البلاد الممتد في أعمق أعماق التاريخ السحيق.
لا زوار!
قلت لرئيس الهيئة قيس حسين: انا لم أزر المتحف العراقي في حياتي! فأجاب وهو يبتسم: "انت لست استثناء هنا، فثقافة زيارة المتاحف في العائلة العراقية ضعيفة وخصوصاً في فترة ما بعد الثمانينات. ثقافة الزيارة كانت موجودة حتى عام 1979، كانت زيارة المتحف بالنسبة الى العائلة العراقية أمراً مهماً وأساسياً وأهم بكثير من زيارة متنزه الزوراء القريب من بناية المتحف. الحرب العراقية – الايرانية (1980 -1988) حولت الكثير من المفاهيم ومنها غياب رب الأسرة عن البيت، زائد ضعف الجانب التربوي في المدارس. زمان، كان معلمونا هم من يصطحبنا إلى المتحف، أما اليوم فإدارات المدارس لا تقدر ذلك، البيت والمدرسة سبب أساسي، العراقي صار اليوم مهموماً بقضايا كثيرة وزيارة المتحف بالنسبة اليه صارت ترفاً".
ماذا عن الزائرين حتى عام 1979؟
– ليست لدينا احصاءات في هذا الصدد، ولكن يكفي ان المتحف كان يعمل بوجبتين صباحية ومسائية وكان العمل يستمر على مدار الاسبوع. كان المتحف يفتح جزئياً في الثمانينات ثم اغلق نتيجة الحرب، وفي التسعينات أغلق بسبب سرقات حدثت آنذاك.
وماذا عن فترة ما بعد 2003 وحتى اليوم؟
– افتتح جزئياً عام 2009 ولم ننجح في استقطاب العائلة العراقية. أتى عدد محدود من تلامذة المدارس وطلبة الكليات، وكان ينتهي اليوم ولانحصل إلا على زائرين اثنين فقط. أغلقنا أبواب المتحف أمام الزوار قبل ستة أشهر فقط لأعمال الترميم والصيانة ونحن في صدد فتح أبوابه الشهر المقبل.
وماذا أعددتم لموسم الافتتاح؟
– نحن في صدد حملة علاقات عامة لجلب الزائرين، لكننا نؤجل هذا الموضوع الى حين الانتهاء من أعمال الترميم التي تتضمن اعمال السقوف الثانوية ومنظومة للامن زائد أعمال إنارة وشراء خزائن للتحف وسنعرض أهم النفائس المعروفة عالمياً في الافتتاح الجديد.
قصور الحكومة
كيف تقوّم عقلية الحكومة اليوم من حيث اهتمامها بالمتحف والآثار؟
– نعتب عليهم كثيراً في كل لقاء، لا تفهم حقيقياً، هناك فلتات من هنا وهنا، أحياناً يصحون من نوم عميق ويلتفتون إلى جهة من جهات الآثار، ولكن بصورة عامة هناك قصور.
وماذا عن تعقيد تابعية هيئتكم لجهتين هما وزارتا السياحة والثقافة؟
– لا نزال كذلك، ونتبع الجهتين فنياً وإدارياً. نحن مشرذمون إلى جهتين، قانونياً نتبع وزارة الثقافة، ولكن في عام 200 عقب تأليف الحكومة وتأسيس وزارة السياحة والآثار، أصبحنا رجلاً هنا وأخرى هناك، نتلقى الأوامر من الاثنتين!
أي شيء محير هذا؟
– لا أبداً، التعقيد السياسي الموجود يجعل كل شيء ممكناً. هناك محاصصات وارضاءات. لم يحسم قانون وزارة السياحة كي ننتهي من هذه القصة، ولم تلغ وزارة السياحة كي نبقى مع الثقافة. الحكومة العراقية حائرة في هذا الموضوع لأنها لا تريد ان تخاصم هذا الطرف أو ذاك. نحن عالقون في المنتصف.
شاهدت لدى دخولي وفداً غربياً، ما طبيعة هذا الوفد؟
– كانت للمتحف فاعلية هذا اليوم، وهو معرض صور لفك رموز الكتابة المسمارية. السفارة الفرنسية قامت بمبادرة مهمة بالتعاون مع بعض علماء الآثار الفرنسيين، هذا الأمر مخطط له منذ أشهر. وقبل ذلك صدر كتاب لفك رموز الكتابة المسمارية أصدرته هيئة الآثار بالتعاون مع السفارة الفرنسية يبسط موضوع فك رموز اللغة وتطورها وانتشارها. كان لدينا اليوم ضيوف من متحف اللوفر.
أميركا داعمة رقم 1
عدا الفرنسيين ومتحف اللوفر، مَن من الدول والمتاحف الغربية معنية بتقديم المساعدة للآثار العراقية؟
– على رغم تحمل الولايات المتحدة الوزر الأكبر في الخراب الذي حدث في المواقع الآثارية نتيجة الاحتلال ومشتقاته، لكنهم اليوم الجهة رقم واحد الداعمة لقطاع الآثار من خلال دعمهم للمتحف العراقي والمواقع الأثرية. دعمهم للمعهد العراقي لصيانة الآثار والتراث وهي مؤسسة مهمة جداً مقرها في اربيل لكنها تابعة للهيئة العامة للآثار، أنشئت ودعمت وجهزت بأحدث الوسائل بواسطة المنحة الأميركية المخصصة لقطاع الآثار.
كم قطعة سرقت عام 2003؟
– لم تسرق الآثار العراقية من المتحف بل سرقت من المخازن، وما سرق منها 15 ألف قطعة وبجهود السفارات العراقية والشرطة الدولية تمت استعادة 4679 قطعة والرقم يخص الآثار المسروقة التي تحمل "رقماً متحفياً". استعدنا منذ 2003 38 ألف قطعة لكنها لا تحمل أرقاماً متحفية. الرقم المتحفي دليل على وجود بطاقة وتصنيف وتصوير وعند استعادتها لا نجد صعوبة في ذلك، ولكن ما يسرق من الموقع الأثري يستحيل إعادته في بعض الأوقات لان الدول تطالبنا بإثبات عراقية القطعة! وانت لاتملك ذلك الإثبات لأنها مسروقة من التل والموقع الأثري.
لم أفهم المطالبة بإثبات عراقية القطعة؟
– القانون الدولي يتعامل هنا بطريقة مختلفة، لدينا رقم طينية مكتوبة بالخط المسماري في اسبانيا، وعليها مدينة أور الأثرية وعليها اسم الملك أورنمو ويقولون هذه ليست عراقية! يقولون اثبتوا لنا عراقيتها. ذهب خبراء يقرأون المسمارية وأثبتوا عراقيتها، لكن القانون الاسباني يريد وثيقة عراقية مسجلة وفيها رقم متحفي. خسرنا القضية مع اسبانيا، لكننا لا نزال نطالبهم بإعادة النظر في القرار واعادتها إلى العراق. اسبانيا تحتفظ بالآثار العراقية على رغم مميزاتها الرافدينية الواضحة.
ابرز المسروقات
ما هي ابرز القطع المسروقة التي استعيدت؟
– كنا متألمين جدا لسرقة رأس فتاة الوركاء (4 آلاف ق.م) المعروف بـ"الموناليزا العراقية"، قطعة غاية في الأهمية، وجدناها عام 2004 مدفونة في إحدى المزارع في منطقة الراشدية (شمال بغداد) كانت عصابة قد أعدّتها للتهريب.
كذلك سرق الإناء النذري، وهو إناء قدسي كبير مقدم الى معبد من المعابد السومرية يعود الى 4500 ق.م فيه فلسفة السومريين بواسطة حقول منحوتة بشكل بارز تبين نظر العراقي القديم الى موضوع الحياة والموت، وقد استعيد مهشماً وتمكنا من إعادته على أيدي كوادر المتحف العراقي.
هل هناك قطع فقدت ولم تعد؟
– كثيرة وخصوصاً الأختام الاسطوانية التي فقد منها المئات وفيها ميزة في الحضارات الرافدينية وجميعها معمولة من أحجار كريمة ونادرة وفيها مشاهد سومرية واكدية وآشورية فقدت ولم تعد. وهناك المسكوكات الذهبية التي تعود الى الحضارة العباسية، وغالب الظن ان السرّاق الجهلة صهروها، فكروا في المعدن ولم يفكروا في القيمة التاريخية. كما سرقوا رقماً طينية غير مقروءة، الكثير من المعارف والعلوم والآداب والأدعية والصلوات التي تعود الى الأديان القديمة لم تقرأ، سرقت الرقم ولا نعلم أين هي الآن.
هل توقفت جهود البحث عن تلك المفقودات؟
– لا، ابداً، واليوم وقع كتاب لذهاب وفد الى األمانيا لجلب أكثر من 30 قطعة أثرية من هناك. لا نزال نحاول استرجاع أثارنا من مختلف بقاع العالم بالتعاون مع وزارة الخارجية.
ما هي هيكلية الهيئة العامة للآثار والتراث؟
– تضم 7 مديريات هي: دائرة التنقيبات، التحريات، المتاحف، التراث، المخطوطات، الصيانة والحفاظ على الآثار، الدراسات والبحوث.
كم متحفاً في العراق؟
– لدينا 13 متحفاً حضارياً إلى جانب المتحف الوطني. أقول 13 على رغم وجود 15 محافظة عدا إقليم كردستان، لأن لا متاحف في محافظتي كربلاء والمثنى، أما بقية المحافظات فقد بنيت فيها متاحف في عقد الثمانينات. أخليت مرتين عام 1991 بعد الحرب وجيء بها الى بغداد وأخليت في 2003. وهي الآن أبنية فارغة تضم نسخاً جبسية فقط. كان هدفنا افتتاح أربعة متاحف هذه السنة لكن الأوضاع الأمنية لا تسمح بذلك.
آثار بلا حراسة
كم موقعاً اثرياً في العراق؟
– الرقم الرسمي يشير إلى وجود 12 الف موقع اثري، لكن هذا يعود الى السبعينات من القرن الماضي. بدأنا مشروع مسح مهماً عام 2007 وتوقف الآن، اكتشفنا مواقع كثيرة غير مسجلة، اينما تذهب تجد مواقع غير مسجلة، الرقم الحقيقي أضعاف هذا الرقم. كانوا يمسحون المواقع الاثرية على الحمير، كان الاثري يجوب الأرض بهذه الواسطة ويسجل: هذا تل 1 وهذا تل 2، وتجد تسميات للمواقع مضحكة.
أفهم من ذلك انكم اليوم تعملون بطرق أفضل؟
– نعم، استفدنا من الصور الفضائية، أسسنا قسم الـ "جي آي اس" للاستشعار عن بعد والتعامل مع الصور الفضائية العالية الدقة ونتسلم صوراً عبر الاقمار الاصطناعية ولدينا تعاقدات مع شركات متخصصة بهذا النظام. هناك مواقع لا ترى بالعين المجردة، الصورة الفضائية هي التي تكتشفه.
كم حارس أمن لتلك المواقع؟
– 1222 حارساً فقط في عموم المواقع أكثرهم من كبار السن ولا يملكون اية أداة للدفاع عن التل الأثري. لدينا 10 آلاف موقع من دون حراسة واحلم بحارس واحد لكل موقع! الحفر غير المشروع الذي تم بعد 2003 صعوداً تم نتيجة عدم وجود حراسات. قلّت السرقات بسبب تشكيل شرطة خاصة للآثار قوامها خمسة آلاف منتسب واجبهم القيام بدوريات وليس مسك الأرض، اللصوص والعصابات يعرفون متى يسرقون، لكنهم خففوا السرقات.
كيف تقوّم أداء الكادر الأثري؟
– لدينا بعثات اثرية جيدة، لكن عددها قليل. لدينا 400 أثري فقط في العراق، ولدينا مفتشية اثار في كل محافظة تضم ستة الى سبعة اثريين عندما يكون هناك تنقيب يعملون فيه، وحين لا يكون يعملون مفتشين. لدينا أعمال كثيرة منها إجراء كشوفات موقعية للمشاريع، هناك مواطنون يرغبون في بناء بيوت أو أحواض سمك أو معامل أو حقول دواجن، المفتشون يخرجون مع الأهالي لاكتشاف ما اذا كان الموقع اثرياً ام لا ومن ثم اعطاء الموافقات في هذا الشأن. لدينا واجبات يومية إضافة إلى التنقيب والصيانة.