لا استقرار ثابتاً مع خلاف على المحكمة والسلاح
نصرالله لم يشقّ الطريق إلى الحوار
اذا كانت قوى 8 آذار وافقت على تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حرصاً منها على الاستقرار الداخلي لان رفض هذا التمويل قد يكون ذا عواقب وخيمة على الاوضاع الاقتصادية والمالية والمصرفية في البلاد، فلماذا لا تعترف بهذه المحكمة وتتعاون معها فلا يبقى عندئذ موضوع خلاف مع قوى 14 آذار، اذا كانت حريصة فعلا على الاستقرار الداخلي؟ ولماذا لا تتفق مع هذه القوى على سبل تجنيب لبنان تداعيات ما يجري في سوريا حرصاً على هذا الاستقرار ايضا وتجنب اخطار هذه التداعيات التي قد تكون اشد من تداعيات رفض التمويل؟
لقد حال الخلاف على المحكمة الدولية وعلى سلاح "حزب الله" دون تشكيل حكومة وحدة وطنية تتخذ القرارات المهمة بتوافق القوى السياسية الاساسية في البلاد المشاركة في هذه الحكومة، وكي لا يستأثر في اتخاذها طرف واحد. فلو ان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله اعلن في كلمته في مجلس عاشوراء ان قبوله تمويل المحكمة الدولية هو اعتراف بها وهو مستعد للتعاون معها لمعرفة الحقيقة والوصول الى العدالة، وذلك بالدفاع عن المتهمين الاربعة من عناصر الحزب امام هذه المحكمة بالرد على القرائن بقرائن، لكان شق الطريق الى طاولة الحوار انطلاقاً من هذا الموقف، هذا الحوار الذي عاد الرئيس ميشال سليمان ودعا اليه، كما اكد الرئيس بري "ان الحرص على لبنان يكون بالتفاهم بين اللبنانيين وفي استمرار البحث عن الحل وفي الحوار الوطني، معتبرا ان الحل ليس باستقالة الحكومة وان الاستقرار هو مسؤولية الجميع.
كما قال الرئيس ميقاتي "ان خطوة تمويل المحكمة ليست انتصاراً لفريق او انهزاماً لآخر ولا هي تسليم باتهام اشخاص او جهة بالضلوع في جريمة الاغتيال، انه قرار وطني يحفظ لبنان ولا يعرضه لاختبارات قاسية بدأت تلوح طلائعها في اكثر من مجال".
غير ان موقف السيد نصرالله الذي اكد فيه انه لا يعترف بالمحكمة، اعاد غلق ابواب الحوار كما اغلقها من قبل بإصراره على بت ملف شهود الزور. والموضوع الآخر الذي كان يمكن الاتفاق عليه ليكون مطروحاً للحوار، هو موضوع سلاح "حزب الله" ليس من اجل تخلي الحزب عنه، بل من اجل وضعه في تصرف الجيش ما دام الحزب يؤمن فعلاً بمثلث: "الجيش والشعب والمقاومة" وكان هذا المثلث واحداً موحداً ولا فصل بينهم، فالتوترات الاقليمية ولا سيما ما يجري في سوريا يفرض الاتفاق على ضبط كل سلاح خارج الدولة كي لا يتكرر ما حصل عام 2006 عندما ردت اسرائيل بقساوة على خطف جنديين اسرائيليين وكما حصل في 7 ايار وما قد يحصل عند الحدود اللبنانية – السورية في منطقة الشمال نتيجة نزوح سوريين اليها وملاحقة الجيش السوري لهم حتى داخل الاراضي اللبنانية احياناً، او عند الحدود اللبنانية – الاسرائيلية.
واذا كان "حزب الله" مستعداً لان يضبط سلاحه وان يلتزم بذلك حرصاً منه على الاستقرار الداخلي الذي جعل تمويل المحكمة يمر، فمن يضبط السلاح في ايدي غير اللبنانيين، مثل المنظمات الفلسطينية التي لا تخضع لا للسلطة اللبنانية ولا حتى للسلطة الفلسطينية وهي تطلق الصواريخ على اسرائيل ويبقى مطلقوها مجهولين ويبقى التحقيق سريا اذا جرى.
لذلك فالاستقرار الداخلي يبقى معرضاً للخطر جراء سلاح غير منضبط سواء كان في يد مجموعات لبنانية او مجموعات غير لبنانية، ولا بد لحماية هذا الاستقرار من العودة الى طاولة الحوار شرط ان توافق قوى 8 آذار وتحديداً "حزب الله" على ان تكون المحكمة والسلاح موضوعين مطروحين للبحث فالمحكمة تواجه بعد حل عقدة التمويل عقدة التمديد لها في آذار واشتداد الحوادث في سوريا مع بقاء السلاح خارج الدولة من دون ضابط قد يتسبب في نقل هذه الحوادث الى لبنان، وهذا ليس سراً بعد تصريحات مسؤولين في حزب الله وحلفاء آخرين لسوريا في لبنان.
والغريب ان الجميع يدعون الى معالجة موضوع المحكمة والسلاح بالحوار، لانه من غير الطبيعي ألا يوجد تواصل بين اللبنانيين واذا لم يكن الحوار اليوم فمتى يكون؟ فالانقسام كبير والاخطار كبيرة في لبنان والمنطقة والمناخ الاقليمي يتجه الى تصعيد والضرورة تقضي بتحصين لبنان ازاء ازمة سوريا كي لا يظل اللبناني في خطر ويكتفي بالاعتماد على القول ان لا مصلحة لحزب الله في حرب داخلية ولا في تحرش على الحدود مع اسرائيل حماية للبنان من تداعيات المنطقة او بالاعتماد على قول العماد ميشال عون في تصريح له "لو احترق الشرق الاوسط كله فلبنان ثابت وقوته بتنوعه"… وقوله لمناسبة عيد مار يوسف في حارة حريك: "علينا حل خلافاتنا بالحوار وليس بالدم" وقد اختار اخيرا الاستقرار الداخلي على رفض تمويل المحكمة.
الواقع ان لبنان في منطقة مشتعلة فينبغي إبعاد نارها عنه، ولا بد من حوار لوضع استراتيجية تحميه، وإلا واجه مزيدا من الانقسام، فالاوطان كالافراد والجماعات تحتاج كما قال البطريرك الكاردينال صفير "الى التعاون المتبادل لخيرها وسلامها، فبالوحدة نحمي الحاضر ونهيئ للمستقبل".