#adsense

إن لم يكن خطاب نصر الله الأخير “فتنة” فما تكون الفتنة؟

حجم الخط

إنْ لم تَجد الفتنة المذهبية أفضلّ نصّ يمثّلها ويبرّرها ويعمّمها من خلال الكلام الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله، فماذا تكون الفتنة؟
هوَ يحسب أنّه، بإبتعاده عن الشكل الغرائزيّ المباشر للتحريض المذهبيّ، يكون بمنأى عن الإنزلاق إلى مواقع خطاب الفتنة. ويكون مسلّحاً، كذلك الأمر، بالقدرة على إتهام الآخرين بالتهافت الى خطاب الفتنة. وهكذا، ينتهي بنصر الله المقام إلى النتيجة التالية: الخطاب الذي يسوّغ لإستمرار معادلات الغلبة الفئوية القهريّة والتعسّفية، سواء في سوريا أو في لبنان، هو عنده خطاب وطنيّ وممانع ومقاوم، في حين أنّ أي خطاب يحتجّ على هذه المعادلات أو يدعو للإطاحة بها، فهو حتماً خطاب مُفتِن وخائن، ليسَ فقط إن تقصّد ابتذال المشاعر الغريزية، بل بمجرّد أن يُشار إلى الطابع الفئويّ، القهريّ والدمويّ للغلبة الفئوية، المذهبية، التي نرزح تحتها، في البلدين. فتأمّل!

وهو يحسب أنّه بمنأى عن الوقوع بالفتنة، لأنّه يقاتل أهل المذهب الآخر ليس من حيث هم أهل مذهب آخر، وإنّما من حيث الخيارات الإستراتيجية التي يوالونها، أي لخلاف في السياسة لا في العقيدة. فهل أنّ صاحبنا قادر أصلاً على الفصل بين سياسة وعقيدة؟ أم أنّ المرجعية الغيبية المطلقة هي منظاره ودليله إلى العقيدة كما السياسة؟ هل يتبع مذهباً وضعيّاً أو علمانياً في السياسة كي يجوز له ما يجيزه لنفسه هنا؟ لنتفّق على أمر واحد على الأقل: إمّا هو أمين عام "حزب الله"، وإمّا هو على صورة "الحزب الإشتراكيّ الديموقراطيّ" الألمانيّ أو "الحزب الديموقراطيّ الليبراليّ" اليابانيّ. فالرجاء، الرجاء، إيضاح الهوية!

وهو يحسب أنّ الفتنة المذهبية غير قادرة على إختراق حقيقته النقيّة مطلقاً، والباقية أبداً، والمتفانية دوماً. لماذا؟ لأنّه مضاد للرصاص؟ بل لأنّ الآخرين لا يملكون رصاصاً، وهو يملك.. ثلاثين أو أربعين أو خمسين ألف صاروخ.. وما دام على أهبّة الإستعداد لمعاودة "الحسم" الدمويّ مجدّداً، أنى دعت الحاجة، فهو يعتبر الإرهاب الكلاميّ في هذا الإطار حسماً إستباقياً للفتنة، بل وقاية منها، فهل نأمل بأن يأتي يوماً من يخبره عن كمّ الأحقاد الدفينة والمستجمعة والمبتدعة التي يحييها عند كل جولة؟

وهو يحسب أنّ تراث المظلومية يجعله معصوماً من ظلم أناس آخرين، وأنّه بذلك يبعد عنّه وعن البلاد شبح الفتنة، إلا إذا صمّم الآخرون على "تجريب حظّهم" مرة أخرى. فهل من كشف قلبيّ يلهمه بأنّ المظلوميّة تولّد نقيضها حين تجتمع مع خطاب الإستقواء والصلف والإنتصاريّة، هذا الخطاب الأقرب إلى فكرة "الحتميّة التاريخيّة" الإلحاديّة منه إلى تراث التشيّع كما عرّفه هنري كوربان كـ"تشاؤم غير يائس"؟

ما يقوله السيّد يختصر في النهاية بالعبثية المنطقية التالية. ينطلق من مقدّمة صائبة وعامة: "لا أحد يلغي أحد" في لبنان، حتى لو سقط النظام البعثيّ في سوريا. لكن بعد ذلك يبدأ الإنزلاق: "لا أحد يستطيع أن يلغينا"، حتى لو سقط النظام البعثيّ، وحتى لو استمتنا في الدفاع عنه قدر المستطاع في الفترة الباقية له على قيد الحياة. ثم يصير الإنزلاق إنحرافاً عن المقدّمة الأولى: كي لا يفكّر أحد في الغائنا، ينبغي أن نلوّح موسميّاً، بقدرتنا على الغاء الآخرين، بل ينبغي أن نذكرهم أنّه سبق لنا وأن الغيناهم، كذا مرة من قبل، بل أنّهم الآن بحكم اللاغين، أو الملغيين.

هذا القدر من تهافت المنطق يمكنه أن يفسّر بأشكال شتّى، لكنّ من المؤكّد أنّه لا يشي بحيويّة فكريّة أو سياسيّة أو كفاحيّة من النوع الذي ما زال يراهن عليها السيّد نصر الله في صفوف حزبه ومقاومته. فالمسألة التي لم يعالجها بعد هي أنّه، وبصرف النظر عمّا إذا سقط النظام البعثيّ أو لم يسقط، وهو كان السبّاق إلى نعيه في هذا المجال، بل بصرف النظر عن الثورة السوريّة، وحتى لو افترضنا أنّها لم تقع من الأساس، فإنّ مشكلة "حزب الله" في شيخوخته المبكرة والمتزايدة في الفترة الأخيرة، لا يمكن مداواتها بهذا النوع من الخطاب. "حزب الله" بصيغته الحالية صار من الماضي. ليسَ بسبب الثورة السوريّة وحدها، بل لأنّ عالماً جديداً هو في طريقه إلى الولادة في كلّ مكان من العالم تقريباً، وفي هذا العالم الجديد لا مكان مضموناً فيه لزعيم حزب محليّ مسلّح يتصوّر أنّ العالم يمشي كما يريده هو.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل