#adsense

قراءة في استحضار السين ـ سين برواية نصر الله: هزيمة “الموعودين بالنصر دائماً”

حجم الخط

لم يقطع السيد حسن نصر الله مسلسل كلماته العاشورائية، بخطاب سياسي يوم الخميس الماضي، إلا ليبرر لجمهوره أسباب قبوله الضمني بتمويل المحكمة الدولية، لكن السيد نصر الله، بدلاً من الاعتراف باضطراره لقبول "أهون الشرّين" (وهي معادلة شرعية بالمناسبة)، على اعتبار أن بقاء الحكومة في الظرف السوري الراهن مقدّم على ما عداه؛ إذا به يستحضر مسار الـ "سين سين" من جديد، وبرواية "مضطربة"!.

رواية نصر الله لـ "سين ـ سين"
عندما أعاد نصر الله الحياة لـ "السين ـ سين"، في خطابه في 1/12/2011 قال: "الكل يعرف من الذي عمل في الليل والنهار لإجهاض السين سين، وهو بالتحديد الرئيس سعد الحريري وقيادات فاعلة في قوى 14 آذار، وأُبلغت سوريا أن المفاوضات انتهت، وذهبنا نحن لإسقاط الحكومة". كلام نصر الله هذا يعني أنه لغاية تاريخ إسقاط الحكومة، لم يمشِ الحريري بمطالب "حزب الله" المتعلقة بالمحكمة الدولية، وإلا كيف يكون متهماً بإفشال "السين ـ سين"، ما "اضطرهم" إلى إسقاطهم حكومته.

تابع نصر الله قائلاً: "حينها سقطت الحكومة السابقة، وبات واضحاً أن المعارضة السابقة تتجه لتسمية رئيس للحكومة غير الرئيس سعد الحريري… وجاء وزيرا خارجية تركيا وقطر إلى لبنان وحصل لقاء مع الحريري في قريطم واتفقوا وكتبوا هذا النص". ثم تلا من الورقة التي بين يديه بنداً يقول: "من أجل الحفاظ على الأمن والسلم يقوم رئيس الوزراء المكلف الحريري بإعلان أن الموقف يقضي بإعادة النظر بالمحكمة الدولية…".

وهذا يعني ـ والرواية لنصر الله ـ أن الحريري عاد وقبِلَ بما لم يقبل به (قطع علاقة لبنان بالمحكمة) مقابل "تسليمه البلد" ـ وفق ما جاء على لسان نصر الله ـ، الذي قال إن حزبه رفض ذلك، رغم أن الاتفاق لمصلحته، لجهة أنه يزيل سيف عن المحكمة رقبة الحزب.

ووجه الاضطراب هنا، أن السيد نصر الله يقر بأنه هو شخصياً من رفض "السين ـ سين" بغض النظر عن مضمونها ـ وليس الحريري، ولا الولايات المتحدة، كما كان يردد في السابق (مؤتمره الصحفي في 16/1/2011)، خصوصاً أنه قال في خطابه إن الاتفاق كان سيوقَّع عليه في مؤتمر دولي يحضره "وزراء خارجية تركيا وفرنسا وقطر والسعودية في باريس.

من جهة ثانية، فإن عقد المؤتمر ـ بحد ذاته ـ يعني أن التفاوض كان يجري على حل شامل للأزمة في لبنان، وليس على مقايضة على حكومة أو بقاء موظفين بعينهم، بما يعني بداهةً أن سلاح "حزب الله" كان أحد البنود، وهو بالضبط ما كان أعلن عنه الحريري في بيان بتاريخ 22/1/2011، مؤكداً أن التفاوض كان يتم لإيجاد: "صيغة متكاملة للمصالحة الوطنية، تؤكد على سبل تطبيق اتفاق الطائف، والتزام العهود التي قطعت في اتفاق الدوحة، والتأكيد على معالجة معضلة استخدام السلاح في بت الخلافات السياسية"، فإذا بالسيد نصر الله يؤكد بلسانه من حيث لا يدري هذا المضمون.

ومن جهة ثالثة، فإن الرواية التي عرضها نصر الله تناقض رواية سابقة له أدلى بها في مؤتمره الصحفي بتاريخ 16/1/2011، عندما أكد أن حزبه هو من "طلب (وليس عُرض عليه ورفض) بسحب القضاة اللبنانيين ووقف التمويل وإلغاء مذكرة التفاهم"ـ مضيفاً أن "فريق الحريري إما من البداية رفض هذا المسعى واستجاب بعد ذلك بسبب ضغط سعودي وسرعان ما طالب أمريكا بالتدخل لإفشال المبادرة، أو أن هذا الفريق كان مع المسعى وبعد ذلك تعرض لضغوط أميركية".

على أي حال، وبغض النظر عن رغبات وطلبات فرقاء التفاوض في مسار "السين سين" المنتهي، فإنه لا يمكن الاحتجاج بأي ورقة غير موقعة كتبها الوسطاء، حتى يتم الاتفاق الفعلي (ما لم يقله نصر الله أنه قدّم أيضاً ورقة فيها طلبات غير المحكمة الدولية من شأنها تقويض الدولة اللبنانية)، وإلا يصبح الأمر كمن يختلق دليلاً لنفسه.

حزب الله: بأي حال نحن منتصرون!
اللافت في خطاب السيد نصر الله، وأنه وفي إطار تبرير الموقف المحرج الذي وضع نفسه فيه (تأكيداته السابقة أن التمويل لن يتم بأي صيغة)، عمد إلى بيع جمهوره انتصارات وهمية.
فعلى الصعيد الأخلاقي، أورد نصر الله روايته تلك عن "السين ـ السين"، ليُظهر الحريري طالب سلطة، قبِلَ من أجلها بالتخلي عن المحكمة وعن حلفائه (مع أن المنطق يفترض عندئذٍ القول إن الحزب طالبُ سلطة أيضاً، لأنه قبل بتمويل المحكمة لأجل البقاء في الحكومة!)، لكن نصر الله لم يشرح ـ أخلاقياً ـ لجمهور حليفه ميشال عون، لماذا تركه يرفع سقف رفضه للمحكمة إلى عنان السماء، ثم يضطر للسكوت عن التمويل، بعدما قبلَ به "حزب الله"؟! كما أنه لم يشرح لجمهوره ـ أخلاقياً أيضاً ـ كيف يعيب على الحريري "تراجعه" عن اتفاق لم يتم، ولا يعيب على نفسه النكث باتفاق دولي وقّع عليه، هو اتفاق الدوحة الذي ينص في البند الثاني على أن "تتعهد كافة الأطراف بمقتضى هذا الاتفاق بعدم الاستقالة أو إعاقة عمل الحكومة"، أي حكومة الحريري، التي أعاد التأكيد أنه مسؤول عن إسقاطها في خطابه الأخير، فضلاً عن نكث حزبه بتعهد عدم استعمال السلاح في الداخل.

غير أن الأغرب من هذا كله، أن يعتبر نصر الله أن سكوته عن التمويل خيّب آمال الفريق الآخر، الذي كان يتوقع سقوط الحكومة، وأن يعتبر رئيس كتلة الحزب محمد رعد في اليوم التالي أن "المعارضة حزنت لتمرير ميقاتي تمويل المحكمة"، ووجه الغرابة هنا أن "حزب الله" أسقط حكومة الحريري لأنها رفضت قطع التعاون مع المحكمة، بما في ذلك التمويل، فإذا بالحريري يحصل على التمويل للمحكمة دون أن يكون في رئاسة الحكومة، ليس قبل صدور القرار الاتهامي ـ الذي جعله الحزب سقفاً زمنياً لأي تفاوض ـ وإنما بعد صدور هذا القرار بأشهر أيضاً.

ليس هذا فحسب، فمن المعلوم أن "حزب الله" أصر أيام حكومة "الوحدة الوطنية"، على بحث ملف "شهود الزور" والبت به، قبل أي بند آخر، معطلاً بذلك البنود الحياتية للناس، وأنه أسقط الحكومة على هذا الأساس، ثم سمى الرئيس ميقاتي على رأس حكومة هو رافعتها، فإذا بملف "شهود الزور" يطير ذكره (قال نصر الله إنه سكت عنه لعدم إحراج ميقاتي)، وإذا بالفريق الإداري المطلوب إقصاؤه ما زال في مواقعه، ـ يتلقى الإشادات والتكريم، وإذا بالمحكمة تُمول، ويضطر السيد نصر الله للقول: "إننا لن نوجد مشكلة بالبلد وسنقدم المصلحة الوطنية العليا". كل ذلك والحريري متحرر من السلطة، ويرمم شعبيته التي أكلت حكومة "الوحدة" من رصيدها، ويرفع السقف في وجه "حزب الله" بدلاً من مداراته ـ كما كان يفعل سابقاً ـ، فمن ربح إذاً في إسقاط حكومة الحريري: من يعِد بالنصر دائماً، أم الفريق الذي يُعتبر سقوطُه "طبيعياً مع سقوط المشروع الأميركي" (خطاب نصر الله في 16/2/2011). ألم يكن أجدى لنصر الله مصارحة جمهوره بالقول: تسرعنا في إسقاط حكومة الوحدة الوطنية انطلاقاً من موقف الحزب المستجد: "لن نوجد مشكلة بالبلد وسنقدم المصلحة الوطنية العليا"!، وهل انتبه نصر الله إلى أنه يُهدي خصمه سعد الحريري نصراً غالياً عليه، عندما يؤكد أنه تخلى عن المحكمة ـ بغض النظر عن صحة ذلك ـ عندما كان في السلطة، وأنه حصل على تمويل لها وقد بات خارج السلطة؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل