بحسب مصادر سياسية مطلعة لـ"الديار" فإن الإخراج الذي توصل إليه الرئيس نجيب ميقاتي لم يأت نتيجة لتفاهم سياسي بين الأطراف إنما قام على اعتبار أن رئيس الحكومة ملزم معنوياً بالقيام بواجباته والتزاماته أمام الداخل والخارج في ذات الوقت، وفي ذلك مصلحة للبنان وللمقاومة أيضاً وهذا ما يحفظ الاستقرار. والأطراف الأخرى وقفت عند حدود التفهم وعدم القيام بردود فعل تؤدي إلى اسقاط الحكومة.
وقد عبرت هذه المصادر عن خشيتها الكبيرة من إعادة تعبئة وتجييش الشارع مذهبياً في ظل معلومات أمنية تتحدث بشكل مطرد عن تنامي الحراك الميداني لبعض القوى الأصولية والسلفية في بعض المناطق لا سيما الحدودية والتي تبقى الخطر الداهم على أمن واستقرار الساحة اللبنانية بالرغم من تمرير قطوع تمويل المحكمة، وما جرى في الجنوب مؤخراً من أطلاق لصواريخ الكاتيوشا بإتجاه الأراضي المحتلة دليل ساطع على جدية ما يتهدد لبنان من تحديات ومخاطر جدية".
وبحسب المصادر أيضاً، "فإنه بغض النظر عما قد تشهده الأيام القادمة فإن الإنجاز الذي تحقق يعزز حضور الحكومة اللبنانية في المنتديات والمؤسسات الدولية وينأى بالبلد عن إمكانية تعرضه لعقوبات لا يقوى اقتصادنا على مواجهتها أضف إلى أنه يجنب البلاد الانكشاف أمام مخاطر الانزلاق إلى تصعيد داخلي. لكن رغم أهمية ما تحقق لحد الآن فإن التعاطي مع هذه الخطوة وكأنها انتصار لفريق على آخر فيه تجن على الرئيس ميقاتي وفيه مبالغة بالتقدير، إذ أن المستفيد من اجتياز الحكومة لهذا الامتحان هي الحكومة مجتمعة وليس رئيسها أو أحد مكوناتها فقط، وعبور الحكومة هذه العقبة يؤكد قدرتها على تجاوز عقبات أخرى، سيما وأن المؤشرات حول ما ينتظر العمل الحكومي تدل على حجم ما ينتظرها في المستقبل".
وفي هذا إطار متصل ، تشير أوساط وزارية بارزة بأن طي ملف تمويل المحكمة على النحو الذي جرى فيه وإن شكل انجاز هام لرئيس الحكومة لناحية حماية البلاد من مواجهة المجتمع الدولي، ولناحية تنفيس الإحتقان السياسي والمذهبي وبالتالي حماية الإستقرار الداخلي، إلا أنه أيضاً يضع الحكومة أمام استحقاقات جديدة أهمها تفعيل العمل الوزاري لا سيما المواضيع المتعلقة بالشأن الاجتماعي والاقتصادي وشؤون الإصلاح الإداري وهذه المواضيع التي شكلت عناوين خلافية في الأشهر الماضية، ستكون موضع نقاش داخل مجلس الوزراء ولن تمر بالسهولة التي يعتقد البعض، فالتوازنات الجديدة التي فرضتها آلية تمويل المحكمة تعطي رئيس الحكومة دور المقرر والحاسم، حيث أن ما كشف من معلومات عن مداولات جرت قبل إعلان تمويل المحكمة، لم ترق إلى مستوى صفقة أو تسوية شاملة، بل معادلة وضعها الرئيس ميقاتي على قاعدة، استمرار الحكومة مقابل تمرير تمويل المحكمة، وهذا لا يلغي قدرة الأطراف المكونة للحكومة من تعطيل إنتاجيتها إذا ما استمر وزراء تكتل الإصلاح والتغيير على مواقفهم دون الأخذ بالمعطيات الجديدة التي فرضت تمرير التمويل، وأهم هذه المعطيات الحاجة الإقليمية لبقاء واستمرار الحكومة إلى حين اتضاح صورة مسار الأحداث في سوريا.
وتشير هذه الأوساط أما بشأن ملف شهود الزور الذي طالب أمين عام حزب الله تحويله إلى المجلس العدلي يتطلب التوافق على التعيينات المعطلة والتي يشكل اختيار رئيس مجلس القضاء الأعلى إحدى العناويين الخلافية بين الرئيس سليمان والعماد عون، ما يعني أن جلسة مجلس الوزراء التي ستعقد يوم الأربعاء القادم لن تحمل أي جديد، سوى مناقشة موضوع رفع الحد الأدنى للأجور بعد سقوطه في مجلس شورى الدولة.
ورأت هذا الأوساط انطلاقاُ من معلومات دقيقة مستقاة من صفوف فريق الأكثرية فإن قدرة الافرقاء الموجودة داخل الحكومة على ممارسة الإبتزاز والضغط على رئيس حكومة خلال المرحلة الراهنة ستكون محدودة بغض النظر عن شدة النبرة و حدة الخطاب من هذا الطرف أو ذاك، إلا إنه على أرض الواقع وصيغة القرارات فإن قدرة الحسم والفرض ستكون لصالح رئيس الحكومة خصوصاً أن جميع الافرقاء في الحكومة وبعد مشاورات أجروها مع حلفائهم داخل وخارج الحدود قد سمعوا كلاماً شديد الوضوح بأن الأسابيع المقبلة ستشهد تصعيداً وتطورات دراماتيكية على مستوى المنطقة على صعيد استكمال انسحاب الجيش الأميركي من العراق وعلى صعيد الأزمة السورية بحراكها الأمني والسياسي والإقتصادي الداخلي والإقليمي والدولي، وعليه في ظل اللحظة السياسية الحساسة على المستوى الإقليمي لا سيما في سوريا التي ستتعرض لمزيد من الضغوط خصوصاً لناحية تشديد الخناق المالي على المصرف المركزي السوري ولناحية تفعيل تطبيق العقوبات الإقتصادية العربية، فمن المفروض على كافة القوى السياسية الموجودة في الحكومة أن تترجم حرصها في التعاطي المسؤول والواقعي إيزاء كل هذه المخاطر المحدقة من خلال تقديم مقاربة هادئة وتعاط عقلاني مع رئيس الحكومة لقطع الطريق أمام اي دفع بإتجاه اسقاط الحكومة الميقاتية.