استعنت بقاموس "الفرائد الدرية للغة العربية" للوقوف على معنى " النأي بالنفس" الذي بات معتمداً لتبرير المواقف التي تتخذها الدولة اللبنانية في المحافل الدولية، فكان المرادف الوحيد للعبارة المذكورة "الابتعاد عن الشيء والبقاء بعيداً"، وهذا يبقى التفسير الوحيد لما اقدمت وتقدم عليه الحكومة الللبنانية عندما ترتأي الامتناع عن المشاركة في القرارات المتعلقة بحقوق الانسان وخلافها كالتي اتخذت أخيراً.
وبالتزامن، كان القرار الاكثر اثارة ومدعاة للاستغراب ذاك الذي اتخذه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عندما أجاز لنفسه، وبقرار فردي، وفي سابقة خطرة ، سواء كان حائزاً على بركة حلفائه أم لا ، على سحب مبلغ ضخم من دون الرجوع الى مجلس الوزراء الذي بات بالاستناد الى دستورنا المعدل السلطة الاجرائية في البلاد، وذلك من صندوق لا يزال اللغط قائماً حوله وقد بلغ اثنين وثلاثين مليوناً من الدولارات، وأجرى تحويله الى المحكمة الدولية الناظرة بجريمة الرئيس الحريري، مبرراً فعله بـ " تجنيب لبنان مزيداً من الخضات والعقوبات الدولية" .
التحفظ ليس على المضمون، وربما حظي الاجراء للمرة الاولى بعد تشكيل الحكومة الجديدة عليه على غالبية القوى السياسية، انما على الشكل بحيث عولج " الداء ليس بالدواء"، بل " بداء آخر" لا يقل خطورة عن المشكلة الاولى طالما أن أي موافقة أو اجازة لشخص رئيس للحكومة سواء كان معارضاً أم موالياً لـ "غرف" عشرات ملايين الدولارات من صندوق ما – وهو بطبيعته مال عام – ، وصرفه بالشكل الذي حصل، وبتبرير مهما كانت خلفياته واسبابه ودوافعه، قد خلق سابقة فريدة لم يحظ بها اي رئيس في خضم تركيبة دستورية لبنانية شئنا ام ابينا قد جعلت من مجلس الوزراء مجتمعاً السلطة المخولة باتخاذ القرارات الاجرائية اللازمة لتسيير مرافق الدولة الى جانب مجلس النواب الذي يتمتع بسلطات تشريعية ورقابية على السلطة الاجرائية حددها دستور شبه جامد يتطلب تعديله آلية ليست سهلة ضمن نظام تعددي طائفي يتميز بحساسية مرهفة تجاه المسائل الخلافية الكبرى.
بعد اليوم بامكان اي رئيس للحكومة اللبنانية سواء كان الرئيس الحريري أم سواه – بحال عودته الى السلطة – أن يغرف عشرات الملايين – على سبيل المثال – من هذا الصندوق ان كان بهدف "نأي عن النفس" أم بهدف "تجنيب لبنان خضات ما" أم لاي سبب آخر وأن يحول هذا المال لمن يشاء داخل لبنان أم خارجه في اجراء مخالف لابسط القواعد القانونية والاجرائية والتنظيمية والدستورية لان كوابح النظام اللبناني على صعيد صرف المال العام دونها ضوابط شديدة ولا يعقل البتة ان يقدم اي شخص أم سياسي أم زعيم أن يغرف من أحد الصناديق العمومية عشرات الملايين من الدولارات مع تحفظنا على طابعها كمخصصات لهيئات أم مؤسسات ويتصرف بأعذار واهية، فقط لكون أحد محرج أم آخر وقع في مأزق أم ثالث أريد حفظ ماء وجهه الخ.
هل يتحول الصندوق الذي أبيح التصرف به لشخص رئيس الحكومة بالشكل الذي حصل الى صندوق اسود يوضع بتصرف الرؤساء، وهل أن فخامة رئيس الجمهورية يتمتع بالحقوق عينها التي أعطيت البارحة لرئيس الحكومة بالتصرف بعشرات الملايين من الدولارات، وهل نحن ذاهبون باتجاه تكريس أعراف سلطوية تبيح محظورات وتأكل شيئاً فشيئاً من صلاحيات السلطات الاخرى، أم أن ما أجيز اليوم لوسطي أم موال غير جائز غداً لاي معارض؟
من يراقب، من يحاسب تلك التي تشكل أكثر من مخالفات سياسية ودستورية وقانونية، في خضم سيل من التعليقات التي أفضت الى اعتبار أن ما ارتكب صحيح أنه مناف للقانون والدستور انما كان ضرورياً ولازماً!!! وفي صلب معركة أطلقها البعض لسنوات طويلة وما يزال واتخذ منها عنواناً لها وهي سرقة المال العام ووضع يد رؤساء سابقين للحكومات يدهم على عشرات الملايين من الدولارات والتصرف بهم لاجل مشاريع خاصة ومنافع تهم مصالحهم!!!؟؟؟
أوهكذا يستقيم العمل ضمن الانظمة الليبرالية والبرلمانية و الديمقراطية ومن مخوّل اقرار صرف عشرات الملايين من الدولارات خارج اطار الضوابط التي أسلفنا ذكرها، وهل نحن باتجاه حكم الراس الواحد أم الملك الواحد في زمن الاطاحة بتلك الرؤوس وحكم الشعب شبه المباشر؟
وماذا يعني سكوت هؤلاء عن سابقة فتحت شهية للمستقبل واطلقت آلية غير مشروعة وكرست فتوى واجتهاداً يناقض كل المواقف التي بنيت عليها حروب وثورات وكلفت البلاد والعباد كماً هائلاً من الخسائر البشرية والمادية !
اسئلة ننتظر أجوبتها بصراحة وشفافية وصدق بنفس المستوى الذي تم تبرير الافعال فيه، كي لا تهدر عشرات الملايين من دون حسيب ولا رقيب وباساليب مخالفة للآليات التي وضعت من أجله، وهو مال عام يعنى بصرفه كل مواطن لبناني بحاجة الى الطبابة والكسوة وتعليم أولاده والعيش الكريم في ظل أزمة معيشية خانقة يعيشها لبنان، ومستقبل قاتم وهواجس كبيرة أطاحت بأحلامه وداهمت أفكاره صبحاً ومساء.
العام الحالي ينقضي، ومع حلول العام الجديد ، استحقاق مماثل يبلغ مقداره اثنين وثلاثين مليوناً من الدولارات، وسابقة لافتة خطرة أقرت صرف ما صرف سنوياً من احد الصناديق السخية التي وضعت بتصرف دولة رئيس الحكومة، لكن ما يبقى مجهولاً من الآن وحتى العام المقبل، من سيكون رئيساً للحكومة عند ذاك ، أهو الرئيس سعد الحريري ؟
وهل سيوافق المعارضون يومها بحال "برم الدولاب" على أن يمد يده على الصندوق ويسحب المبلغ المذكور ويحوّله بكل بساطة الى الخارج تحت حجة "تجنيب البلاد خضات وأزمات"؟
ان كنت موالياً أم معارضاً ستشاطرني على طرح هذا السؤال، وفي كلتا الحالتين نبقى سوياً ضحايا ماساة عمرها عشرات السنوات نقضيها في صرف عشرات الملايين في خلاف ما يوجبه حقنا أن تصرف عليه وتوجبه العدالة التي قد ننتظرها ولن تأت ربما بأي حق .