#adsense

ممَّ نخاف؟

حجم الخط

أتعرّض يومياً لوابل من الإزعاج من أشخاص يفرضون عليّ تكتيكاتهم التخويفية فيما يحاولون أن يبيعوني شيئاً ما. المنتجات والخدمات للبيع، وكذلك الأيديولوجيات، وعدد كبير من الأشخاص يروّجون الخوف في ذاته.
عشنا في الخوف زمناً طويلاً جداً الى ان بات جزءاً من حمضنا النووي. يُحرّكنا الخوف في كل ما نفعله تقريباً: الخوف من اختيار ما نقوله أو لا نقوله، والخوف من بناء علاقات، ومن اتّخاذ خيارات في الحياة. يحوطنا الخوف من كل مكان، بدءاً من الخوف من الوحدة والحزن والفقر والتشرّد والتعاسة، مروراً بالخوف من نظرة الآخرين إلينا أو حكم المجتمع علينا، وصولاً إلى الخوف من الموت وسواه من الأمور المجهولة. نسمح للآخرين بأن يستغلّوا مخاوفنا. المشكلة هي أن مفهوم الخوف يتحوّل مسخاً في عقولنا، يؤثّر في قراراتنا وتالياً في حياتنا وحياة المحيطين بنا.

يقودنا هذا إلى طرح السؤال، كيف يجب أن نشعر حيال التغييرات التاريخية التي اجتاحت الشرق الأوسط خلال العام المنصرم؟ إذا قلنا إننا سعداء بالتغييرات، يُذكّروننا على الفور بأن الإسلاميين هم الذين حقّقوا الفوز في الانتخابات التونسية والمصرية والمغربية. أضف إلى ذلك النفوذ الذي تتمتّع به إيران و"حزب الله" وحركة "حماس" منذ سنوات. إذاً هل كل "الإسلاميين" متشابهون؟ لنتوقّف عند تصريح رئيس الوزراء المغربي الذي تحدّث بعد الانتخابات عن "إسلام عصري يجيز الكحول والإجهاض والمثلية الجنسية". كيف يمكن الإسلام المتطرّف أن يُفسح في المجال للآخرين للمشاركة في الحكم، في حين أننا نعرف تماماً أيديولوجيات الإخوان المسلمين والسلفيين، وسواهم من المتطرّفين الذين لا تَخفى آراؤهم في الغرب على أحد؟

إزاء خيبة الأمل من الصحوة العربية، ترتفع أصوات من عملوا جاهدين وضحّوا كثيراً لتحقيق التغيير، كي تذكّرنا بأننا لا نزال في بداية الثورة. يقولون "يجب أن ننتظر حتى الانتخابات المقبلة كي نلمس نتائج جهودنا"، لكن الموافقة على هذه المقولة تُغضب من يعتقدون أن المتطرّفين سيختطفون الأنظمة ولن يعيدوها الى الناس. ويستشهدون في هذا الإطار بسيطرة العسكر الشديدة على الحكم في مصر ما بعد مبارك.

يريدنا الغرب أن نخاف من الإسلاميين، والعكس. في سوريا، يحارب النظام "الشبّيحة الذين يفتعلون الاضطرابات" فيما يطالب المتظاهرون بسقوط "النظام الاستبدادي". وفي البحرين، تقول الملَكية إنها تتعامل مع جميع رعاياها على قدم من المساواة، فيما ينتقد الثوّار النظام واصفين إياه بـ"الرهيب". وفي السعودية، يخشى الناس رجال الدين فيما يزعم هؤلاء ان قيادة السيارات تتسبّب بخسارة المرأة "عذريّتها". اما الحكومة، فتخشى توسّع نفوذ الشيعة الإيرانيين.

في الإعلام والخطب والاجتماعات والمحادثات الرسمية وغير الرسمية والمنتديات، يقولون لنا ما الذي يجب أن نخاف منه. لكن حقيقة الأمر هي أن هذه المخاوف أسوأ بكثير من الواقع والتحدّيات والمخاطر التي نواجهها يومياً في حياتنا. كان روزفلت محقاً: الشيء الوحيد الذي يجب أن نخاف منه هو "الخوف في ذاته". يجعلنا الخوف عبيداً له فيما يتحكّم بحياتنا. يمكن أن يحوّل الخوف أفضل موقف في حياتنا حكماً بالسجن! هل يمكنكم أن تتجاهلوا المخاوف التي تُفرَض عليكم أو تُدَس في نفوسكم؟ هل يمكنكم أن تعيدوا توجيه طاقاتكم للتغلّب على مخاوفكم الفطرية؟ هذا بالضبط ما أنوي ان أفعله.

المصدر:
النهار

خبر عاجل