لم يكن الأمر يحتاج الى حديث برهان غليون عن "حزب الله" ودوره ومستقبل العلاقة به، كي يتم تكوين نظرة شاملة عن "طبيعة" المغطس الذي نزل فيه الحزب المؤدلج الآتي من اتجاه واحد يبدأ مسار انطلاقه من إيران ويصل الى قلب لبنان، لكنه لا يحمل من سمات ذلك الانتشار شيئاً عدا الجغرافيا.
ولم يطل الوقت في واقع الحال، قبل ان يلمس الحزب لمس اليد، "طبيعة" مكوثه الراهن في عقول العرب عموماً والسوريين خصوصاً.. ولم يكن برهان غليون في قوله المعادي القاطع في وضوحه إلا متآلفاً مع ما رآه ويراه أولاً، ومع ما رآه ويراه معظم السوريين ثانياً، ومنذ اللحظات الأولى لاندلاع الثورة في درعا.
وذلك ليس تفصيلاً ولا عابراً. حيث لا يمكن للحزب أن يوصم غليون وعموم السوريين بما اعتاد على وصم 14 آذار وأهلها به منذ ست سنوات ومن دون تراخٍ، وبصيغ افترائية كاملة الأوصاف والمقاييس: لا يستطيع "حزب المقاومة" أن يعيّر شعب سوريا بغربته عن المقاومة وفكرها الأول المتعلق بمقارعة إسرائيل والتصدي لجموحها اللصوصي ولدورها وطبيعتها بل لنشأتها من الأساس. ولا يمكن له أن يوصم هؤلاء وغيرهم، بما اعتاد على وصم 14 آذار به من "ارتباطات تآمرية" على المقاومة والممانعة.. افتراءاته المحلية تدخل في سياق النزاع السياسي الكبير والمفتوح منذ جريمة اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، وتختلط فيها تفاصيل تعقيدات المناخ اللبناني برمّته، وهي على صلافة واستبداد الاتهامات الواردة فيها يمكن بكل بساطة أن تُسحب من التداول إذا انقلب المسار من حالة نزاع الى حالة حوار.. سبق وأن شهدنا على ذلك، ويمكن ان نعود ونشهد عليه في أي حين.
..الأمر عند السوريين مختلف جذرياً وتماماً. والموقف الحادّ والمعادي للحزب ودوره هو نتاج قراءة صافية لا تدخل فيها وعليها أي اعتبارات هامشية. وذلك ما يفترض أن يراه الحزب وأهله كما هو من دون زيادات وافتراءات ومن دون قراءات خاصة تحاول، على الطريقة المحلية، ان تجد "مبرّرات خيانية" لأي موقف نقدي سببه الأول (والأخير) أداء الحزب نفسه ولا أحد سواه.
.. قبل السوريين كان عرب كثر قد توقفوا بعد 7 أيار وملحقاته السياسية عن اعتبار الحزب سيف المقاومة ودرعها، أو رمزاً من رموز مقارعة الإسرائيليين. بل تدحرج التوصيف الى نواحٍ ما كانت لتخطر في البال والوجدان العربي العام. ولم ينتبه "حزب المكابرة" الى ذلك، بل بدا وكأنه غير مهتم للأمر كثيراً أو قليلاً.. الأمر في سوريا يُفترض أن يكون مختلفاً وبشكل تام، جذري وقاطع. حيث تفرض الوقائع في الجغرافيا وقائع في السياسة. وحيث للمكابرة والغلو في الاصطفاف أثمان باهظات مباشرة ومصيرية، وحيث يُفترض قبل كل ذلك، أن يكون همّ "الوحدة الإسلامية" أكبر وأخطر من همّ دعم سلطة البعث. وهمّ بقاء ونقاء العداء للمشروع الإسرائيلي أكبر من همّ إشاعة خبريات التشنيع بشعب سوريا وثورته واعتبارها "تمرداً مسلحاً تآمرياً" لا يواجه إلا بلغة المجازر، وبمحاولة جرّه الى نزاعات طائفية مدمّرة!
ما سلف قائم على افتراض عبيط، هو ان الحزب في محل ما يمكن له أن يخرج من أسر ارتباطه بمشروع إيراني لا همّ له إلا بناء منصّاته وعناصر قوته على حساب العرب وكياناتهم متوسلاً لذلك كل شيء بما فيه التمايز المذهبي… ذلك التمايز الذي تجوز الصلاة ليل نهار، كي يبقى في تلك الخانة ولا يتحول الى فتنة فعلية وكاملة الأوصاف.
..في كل الحالات لا تضرّ العباطة كثيراً إذا كانت أداة لتفسير المستحيلات. وضع "حزب الله" راهناً، محلياً وعربياً وسورياً صار في خانة تلك المستحيلات.
الله يستر!