للمرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو العاشرة، تجري عملية ترسيم حدود للنائب ميشال عون وللحبل الذي يمكن له أن يشدّه على وقع مطولاته الإصلاحية وتوليفاته اللغوية وتهديداته المستعارة من دفتر شعبوي عتيق.
حدوده التي يُعاد لفت نظره إليها في كل مرة يخرقها، هي ذاتها تقريباً حدود لاعبين آخرين أكبر منه وأخطر وأكثر جدية.. وقصة تمويل المحكمة غصباً عن إرادة "حزب الله" عيّنة بليغة وشديدة التألق، وصارخة في دلالتها الى الحدود الفاصلة بين الشعار والقرار، وبين الممكن والمستحيل، وبين الوهم والواقع، وبين الممارسة والتنظير.
مسيو عون ليس من الطينة التي تعرف معنى الواقعية السياسية، بل من الطينة الأخرى التي يُفرض عليها في كل حين تعلّم أصول تلك الواقعية والوقوف عند مقتضياتها، ومن ثم تعليق العمل بالوهم، وبالبيان الحزبي والشعار التحريضي والتعبوي.. أو بالمعنى المتعارف عليه، "لحس الكلام" بالتي هي أسهل وأقل مرارة.
لكن بمعنى ما، يبدو عون صنواً لقيادة "حزب الله" في الأداء السياسي الذي لا يليق إلا بالمبتدئين. الطرفان في كل آن يطوفان حتى الآخر، على مراكب شعاراتهما ومصطلحاتهما وبياناتهما، ولا يتركان شيئاً من عدّة الرجوع من ذلك الإبحار الى شاطئ الأمان. كل معركة عندهما هي معركة فاصلة وحاسمة. وكل قضية مهما صغرت هي كبيرة لا تحتمل التسويات. وكل شعار مهما كان فرعياً هو شعار مقدّس لا يُمسّ، وكل خبرية مهما كانت تافهة، هي بلاغة مصيرية وحاسمة.
.. طرفان يتسابقان في إبراز مكامن "ذكاء تكتي" لا مثيل له في لبنان والمهجر. الحزب في قصّة المحكمة والتمويل والتخوين، والجنرال الغضبان في كل شأن تنكبّ مهمة التصدي "لإصلاحه".
واللافت أن المتسابقين لا يظهران أي علامات تبرّم من وقوفهما على منصّة الريادة معاً وبالتساوي، جنباً الى جنب وكتفاً الى كتف.
نعم، ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يضطر فيها عون الى التراجع والانكفاء. لكن معضلته تبدو أكبر من معضلة منافسيه على الريادة. إذ أنه ما ضرب موعداً حاسماً مع حل أي قضية إلا وخانته الساعة وتعطّلت وطار الموعد الى خانة التأجيل. حتى في القضايا التفصيلية البسيطة لم يقبض ما يستحق من أثمان لمواقفه. بل في حقيقة الأمر، لم يقبض أي ثمن موازٍ لتعبه وضناه، لا في حملته على كل موظف وإداري ناجح لإقصائه وإطفاء إنجازاته، ولا في حملته من أجل التعيينات، ولا في ملاحقته مشاريع كبرى بحثاً عن مردود ما! بل يبدو في الحالة الأخيرة، مثل هاوٍ انخرط في سباق مع مجموعة من المحترفين الموصوفين في كيفية أكل الكتف والضلع والرأس سواء بسواء!
معاركه الطاحنة راهناً مع الحكومة ورئيسها تبدو (والله أعلم) الأكثر مدعاة للمرارة من كل ما سبق. فهو بالكاد يقاتل من أجل مجرد إدراج "بنود إصلاحية" في جدول أعمال مجلس الوزراء في حين أنه كان بالأمس، وقبل الأمس بقليل، يتحدث بانتفاخ طافح عن أن مصير الحكومة يقرره هو وحده ولا أحد سواه!
.. في كل مرة تخونه الذاكرة، يأتي من ينعشها ويذكّره بحدوده الفعلية ووزنه الحقيقي ودوره الأكيد: كومبارس عالي الصوت.. نعم، لكن ليس أكثر من ذلك؟!