#dfp #adsense

الإمارات سرّ القيادة

حجم الخط

خلال أربعين عاماً فقط أصبحت دولة الإمارات أكثر الدول العربية استقراراً وتقدّماً وأصبح شعبها أكثر الشعوب رقيّة وحضارة. وتعريف الرقي هنا ليس باستخدام التكنولوجيا أو امتلاك الأحدث في السيارات والطائرات وما الى ذلك. تعريف الحضارة هو باحترام هذا الشعب للقوانين وللنظام واحترامه حرية الآخرين في معتقدهم وعاداتهم وتقاليدهم وكلّ ما يعرّف إنسانية الفرد والجماعة. وقد لمست نموذج من رقي الإمارات شعباً وقيادةً خلال فعاليات العيد الوطني. فقد دعاني أحد اصدقائي الاماراتيين لحضور محاضرة "روح الإتحاد" التي ألقاها الشيخ محمّد بن راشد في قاعة المؤتمرات بمركز المعارض في دبي. وقررت الحضور طمعاً بسماع رؤية الشيخ محمّد لمستقبل الإمارات والمنطقة في ضوء متغيرات هذا العام والتي فاقت ما حصل خلال الأربعين عاماً السابقة.

آلاف عدّة من المواطنين وعدد من الوافدين تجمّعوا في باحات مركز المؤتمرات. دخل الجميع بهدوء وبتنظيم ذاتي. فلا قوى أمن ولا تدافع ولا أصوات تعلو. وصل الشيخ وبدأ الحديث وهو يتنقل بين الحضور في أرجاء القاعة وبدأ محاضرته قائلاً إنّه لم يحضّر خطاباً مكتوباً بل يريد سرد بعض ذكريات غير معروفة وبعض قصائد غزل وقليل من السياسة.

أسرَ الشيخ محمّد الحضور لأكثر من ساعتين وقادنا في رحلة امتدّت من غرف قصر زعبيل إلى خيمة سديرة، إلى الشارقة وساعات الإنقلاب العصيبة، إلى حدود الإمارات الشمالية والخشية من نوايا الإنقلابيين العرب (وما أكثرهم في ستينات القرن الماضي) لزعزعة الإتحاد، الى محاولات بعضهم الفتنة بين مشايخ الإمارات الى مشاكل الحدود التي رسمها الإنكليز بطريقة تعصى على الحل.

أدخلنا الشيخ محمّد برحلة إفتراضية عبر الزمن. القى قصائد غزل وفخر ووطنية وسردَ وقائع، وأعطى نصائح وتوجيهات. تحدّث عن أيام الشدّة والفقر وغياب الخدمات وانعدام الطاقات البشرية وتحدّث عن أحلام الإمارات قبل 40 عاما، فقال: "لقد حلمت بالطرق حين كانت معظم طرقاتنا رملية. حلمت بالمدارس حين كان طلابنا يفترشون الأرض تحت ظلال شجرة. حلمت بتأمين الخدمات الصحيّة حين كان عدد المستوصفات لا يتجاوز العشرة. حلمت بالكثير وحققنا الكثير وما زال أمامكم الكثير الكثير لتحقيقه، فنحن قد بلغنا رشدنا في عامنا الأربعين وأنتم تعلمون أنّ اللّه أنزل القرآن على سيدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم حين بلغ النبي سن الأربعين".

لساعتين أنصتنا جميعاً وكأننا على متن طائرة في سفرتنا الاولى نتابع ما يجري بحشرية طفل لا يريد لهذه اللحظة أن تنتهي. فلا أحاديث جانبية بين الحاضرين ولا صيحات "بالروح بالدّم" ولا قصائد مديح (مثلما درجت عليه شعوب العرب).

كان صمت الحضور يتكلّم درراً. التزامهم بالنظام والآداب العامّة يحاكي تتطور أمم يمتد تاريخها السياسي لقرون وليس لأربعة عقود. لدولة الإمارات الآف الأسباب للفخر وللثقة بالمستقبل. من بنية تحتية ومصانع ومطارات وموانئ وشركات إتصالات وطيران وناطحات سحاب إلخ.. إلّا أنّ أكبر إنجازتها هو هذا الجيل. جيل زايد وراشد ومن بعدهم خليفة ومحمّد. هؤلاء الشباب والشابّات خرّيجو الجامعات المشبعين بالمعرفة والواثقين بمستقبلهم والمؤمنين بوطنهم وبقيادتهم القادرين على التزام تطبيق القوانين والأنظمة بسلاسة قلّ نظيرها في هذا الشرق.

ليست الإمارات الأغنى ولا الأكبر مساحةً ولا الأعرق سياسياً بين دول العرب. إلّا أنّ كل الإحصائيات العالمية تضعها بين أرقى دول العالم على مستوى الشفافية والأمن وإنعدام الرشوة والبنية التحتية والكثير من مقاييس العصر.

يتساءل كثيرون عن سرّ نجاح دولة الإمارات. فمنذ أربعين عام كان في لبنان مثلاً عشرات الآلاف من متخريجي أفضل جامعات الشرق الأوسط في حين كان في الامارات عشرات قليلة من حملة الشهادات الجامعية. وخلال الأربعين عاماً بنت قيادة الامارات جيلاً أثبت قدرته على بناء شركات غزت الأسواق العالمية وعلى إدارة بنية تحتيه تعتبر من الأكثر تطوراً في العالم بينما حوّل بعض القيادة السياسية اللبنانية جزءا كبيرا من شباب لبنان المتعلم الى عناصر ميليشيات، بعضهم ميليشيات عسكرية والبعض الآخر ميليشيات فكرية منغلقة متحجرة مهووسة بالدمار وغير قادرة على بناء المستقبل. كذلك العراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن والسودان إلخ.. إبتلت هذه الدول بقيادات أوصلت شعوبها الى الحضيض.

إنّ سرّ الإمارات هو قيادتها. فالناس على دين ملوكها. فمن ناحية، هناك أتاتورك وديغول ولنكولن وتاتشر ولي كوان يو، ومن ناحية أخرى هناك الضباط الإنقلابيون العرب أو بعض السياسيين اللبنانيين الذين ابتلت بهم شعوبهم منذ خمسينات القرن الماضي. وقد يقول قائل إنه البترول، ألا يوجد بترول في الجزائر وليبيا والعراق والسودان؟

لمعرفة سرّ نجاح دولة الإمارات أدعو الجميع الى مشاهدة محاضرة الشيخ محمّد بن راشد (موجودة على اليوتيوب). إنّ من يبرع في إبقاء الآلاف منصتين (أكاد أقول مشدوهين) لساعتين من دون قراءة نص مكتوب (ما خلا بضع قصائد) وهو يتحدث بلغة بسيطة متواضعة في السياسة والتاريخ والشعر والمستقبل والعلم والإقتصاد، لن يصعب عليه قيادة أمّة الى أرقى المواقع العالمية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل