"وما من شيء إذا فكرت فيه اذهب للمروءة والجمال
من الكذب الذي لا خير فيه وأبعد بالبهاء عن الرجال"
الشافعي
لا يمكن أن تكون مسألة سهلة أن يعتلي المنبر شخص ما بشكل متكرر، ولو عن طريق شاشات عملاقة، وهو يستمع لهتافات تقول له وتعيد "لبيك يا فلان". ففلان هذا بظهوره المتكرر يصبح مثله مثل أحد المسلسلات التركية المدبلجة بلهجة سورية بحيث يمكن للمشاهد أن يمتنع عن حضور بضع حلقات متتالية ليعود ويلاحظ في الحلقات التالية أن شيئاً لم يتغير، أو بالأحرى أنه لم يفتقد شيئاً من المسار الممل لحديث مكرر بالمعنى والمقصد وحتى بالمفردات والتعابير وحتى أيضاً بنتعات العنفوان اللفظي التي تستدرج أوتوماتيكياً هتافات "لبيك… لبيك… لبيك…"، ليتأكد الخطيب أن الجمهور يتفاعل معه وما زال تحت سيطرته على الرغم من عدم إتيانه بشيء جديد. إنها نعمة "الكاريزما" التي يمتلكها البعض القليل من الناس، ولكنها أيضاً ليست صفة معزولة عن الحدث وعن الزمان والمكان. فالشخصية الكاريزمية مرتبطة بشكل طبيعي بموضوع الاهتمام الأساسي للجماهير. فلا يمكن مثلاً أن شخصيات مثل هتلر أو موسوليني، خارج إطار الظروف التي كانت تعيشها أوروبا في أيامهما، بأن تكون ساحرة للجماهير المحتشدة، وقد تعتبر هذه الشخصيات منفرة في ظروف مختلفة، فتتهم بجنون العظمة مثلاً.
بما أن الشيء بالشيء يذكر، فلا شك عندي بالصفات الكاريزمية للسيد حسن نصرالله، وهي صفات جزء منها تحملها وحداته الوراثية والجزء الآخر تطور مع الخبرة والتلقين ربما. والواقع هو أن من يتابع خطبه في الثمانينات من القرن العشرين يمكنه أن يلاحظ الفرق بين الماضي والحاضر. ولكن الأهم من العمامة السوداء والابتسامة المقصودة فهو موضوع مخاطبة الغرائز المبنية اليوم على الإحساس بالظلم المتوارث على مدى أربعة عشر قرناً، وعلى الشعور بالتهديد لمشروع الغلبة المرتط بالسلاح.
هذا كله يدفع الفرد المحتشد مع المحتشدين الى تخطي الترابط المنطقي وتخطي المعطيات والحقائق، لأن الحشود تتصرف وتفكر بشكل مختلف عن منطق الفرد بحيث تتضاعف سطوة الغرائز وتتناقص مكوّنات الفكري العقلاني النقدي.
لقد تحدث سماحته في ذكرى عاشوراء، وهذه الذكرى بحد ذاتها عامل محرك استخدم في السياسة على مدى قرون عدة، بحيث تم ربط مواضيع السلطة والحكم غير المقدسة بشعائر ورمزيات تعتبر مقدسة لدى الفئة المعنية من الناس. وهكذا ربط سماحته موضوع السلاح المختلف عليه في السياسة في لبنان بالسيرة الكربلائية المقدسة بحيث أوحى للجموع بأن الاحتفاظ بهذا السلاح هو جزء لا يتجزأ من المقدس.
وهنا قسم الموضوع الى جزءين، فقسم منه، وهو السلاح الفردي (كلاشينكوف، م16، ب ك س، آر بي جي، قنبلة يدوية…) واعتبره سلاحاً منتشراً بين جميع اللبنانيين، وهو موضوع يقبل بالحوار عليه لسحبه من جميع اللبنانيين، باعتبار أنه سلاح كان سبباً للفتنة، والواقع هو أن هذا النوع من السلاح هو ما استخدمته ميليشيات "حزب الله" وميليشيات أخرى من فئات متعددة للاعتداء على الناس. ولكن في يوم القمصان السود لم يكن هناك داع لإبراز هذا السلاح، فالمسألة هي في وجود ميليشيا منظمة، حتى ومن دون سلاح، تخضع لقرار سياسي وأمني خارج إطار الدولة، فكيف إن كانت هذه الميليشيا تمتلك ترسانة هائلة من الأسلحة. لذلك فمع تأييدنا لسحب السلاح الفردي من أيدي الناس، فالأساس هو العودة الى اتفاق الطائف الذي قضى بحل الميليشيات وهنا بيت القصيد، فهل يرضى سماحته بالحوار حول هذا الموضوع. فبدون الميليشيات يصبح السلاح عبئاً على مالكه ومجرد خردة لا يمكن صرفها. والواقع هو أن ما يهم حزب ولاية الفقيه هو المحافظة على التركيبة الميليشيوية وزيادتها عدداً، كما وعد نصرالله في خطابه الأخير، لأن الهدف المقدس أصبح مرتبطاً بمشروع الغلبة الذي يمهد الطريق الى تسلل سلطة ولاية الفقيه الى كل لبنان، وإلى كل المنطقة إذا أمكن.
أنا أتفهم ألا يقبل نصرالله مسألة الحوار حول نزع ترسانة الصواريخ، لأنها حسب قوله موجودة للدفاع عن الجميع، ولكن الحوار المطلوب هو على من يتولى قيادة مشروع الدفاع عن لبنان، وتحت أي سلطة سياسية وعسكرية يجب أن تبقى الصواريخ، وفي ظل أي تحالف إقليمي سوف تتم إدارة هذا السلاح.
بالطبع هنا، فما قاله سماحته عن الحوار حول السلاح الفردي ما هو إلا ذر للرماد في العيون، لأن هذا السلاح الفردي هو ما يحمي التركيبة الميليشيوية لحزبه وما الصواريخ إلا عناصر قوة فائضة ترتبط إدارتها بالاستراتيجية العامة لمشروع ولاية الفقيه.
أما في الجانب الآخر للخطاب، فلم يكن سماحته موفقاً في التلميح إلى اسم برهان الدين غليون فليس هو من يمنح الأسماء ولا من يمنح الدين ولا يحق لنصرالله التعليق على دين برهان الدين. أما من ناحية أخرى، فقد استمر سماحته بنكران الثورة في سوريا واعتبار الملايين من الشعب السوري الذين يتظاهرون يومياً في مشاهد كربلائية يومية، متآمرين مع الأعداء ولكنه من حق هؤلاء الثوار أن يناصبوا العداء لمن يقوم بشكل علني واستفزازي بدعم الطاغية الجاثم على صدورهم ومن حقهم أن يقولوا بقطع العلاقات مع إيران و"حزب الله" و"حماس" لأن هؤلاء أعلنوا اصطفافهم في مواجهة مع دم الآلاف من السوريين الذين يسقطون يومياً.
يقول نصرالله بأن نظام بشار الأسد مستهدف لأنه ممانع ومقاوم، على من يضحك هنا نصرالله، فحتى الآلاف المحتشدين في ملعب الراية، ومئات الآلاف ممن يسميهم بجمهور المقاومة الذين كانوا محتشدين في مختلف الساحات في ذلك اليوم العاشورائي، يعلمون علم اليقين زيف هذه الادعاءات لأن بشار الأسد كما كان والده من قبله، لم يكن يوماً لا ممانعاً ولا مقاوماً بل كان ولا يزال متاجراً بدماء الناس من سوريين وفلسطينيين وعراقيين ولبنانيين ومن ضمنهم الآلاف المحتشدة المأخوذة بكاريزما السيد حسن.