بعد إنجاز ملفّ تمويل المحكمة الدوليّة، افترض فريق رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أنّه ارتاح من ثقل كبير كان جاثما على كاهل أنصاره جرّاء المواجهة الصعبة المفترضة مع شارعه في طرابلس، إلّا أنّ العصب السنّي المشدود على وقع تحدّيات ما يجري في سوريا وانعكاساته في لبنان، والاستئثار الشيعيّ بالقرار الوطنيّ الداخليّ، جعل الأمور تبدو أكثر تعقيداً ممّا كان يعتقد.
حاول المحيطون برئيس الحكومة في طرابلس الاستفادة من جرعة القوّة جرّاء إنجاز التمويل عبر النزول إلى الشارع واليافطات المتفرّقة، في حين أنّ القاصي والداني يعلم بأنّ هوى الشارع، على رغم الثغرات، لا يزال معقودا لصالح تيّار "المستقبل"، وبالتالي تدور الأحاديث في الأروقة الضيّقة عن سبل الاستفادة من الوجود داخل السلطة قدر الإمكان، بل وتسجيل المكاسب على الصعيد الشعبي أمَلا في الدخول إلى استحقاق 2013 براحة تامّة.
وفق هذه الرؤية، يقول أصحاب خبرة سياسيّة بارزة في طرابلس إنّ رهانات ميقاتي خاطئة في هذا المجال، ذلك أنّ مَن يراهن على السلطة يسقط. والأمثلة على ذلك كثيرة، خصوصاً أنّ رئيس الحكومة لم يستطع حتى الآن تأمين حيثيّة سياسية حقيقية في وجه تيّار "المستقبل".
إلاّ ان حال الانكفاء غير المعلن لمحمد الصفدي، والأحاديث الدائرة عن عدم رغبته في الاستمرار في العمل السياسيّ، وخلافات عائلة كرامي في ما بينهم، جعلت ميقاتي يلجأ إلى الحركات والقوى السلفيّة الإسلاميّة، وإلى مدّ جسور الودّ مع الجماعة الإسلاميّة، وقد بانت طلائع هذا التحالف في الانكفاء السلفيّ عن المشاركة في مهرجان تيار "المستقبل" في طرابلس، فضلا عن بروز نشاط لافت لماكينة الميقاتي داخل باب التبّانة من طريق أقرباء "خضر المصري" الذي قُتل في ظروف غامضة أثناء الاشتباكات بين جبل محسن وباب التبّانة.
ولعلّ العمل السياسيّ والتنظيمي في التبّانة يحمل رمزيّة ملفتة، ذلك أنّها الخزّان البشري الذي تستمدّ منه القوى السياسيّة قوّتها، انطلاقا من مقولة "من أزقّة الفقر والحرمان"، هذا الشعار الذي يثابر السياسيّون على رفعه واستعماله لاستنهاض شعبيتهم.
وفي سياق متّصل، يصف عضو المجلس البلدي العربي "عكّاوي" ابن خليل عكّاوي الذي اغتيل في العام 1985، ولا تزال شعبيته ضاربة حتى اليوم، منطقة التبّانة بأنّها منطقة صعبة ومعقّدة ولا أحد يستطيع أن يقرأها ويفهم هواجس أهلها، وهي مثل المحرقة السياسيّة لأيّ فريق إذا ما أحسن طريقة التعامل معها.
اليوم يسعى ميقاتي جاهدا إلى استنهاض حالته السياسية والشعبية مراهنا على السلطة، في حين أنّ حدّة التناقضات داخل الحكومة تجعل مهمّته صعبة، بل محفوفة بالمخاطر، خصوصا بعدما تسرّبت معلومات عن إحباط محاولاته باللجوء إلى التصويت على قرار تمويل المحكمة داخل الحكومة، حيث تقول مصادر متعدّدة إنّ الاجتماع مع فيصل كرامي أدّى إلى زيادة حدّة التوتّر بين الطرفين. فميقاتي حاول إقناع كرامي بضرورة التصويت على تمويل المحكمة طالما إنّ الشارع السنّي والوضع الشعبي في طرابلس لا يتحمّل التسويف، ولكنّه فوجئ بقرار كرامي المتعنّت تحت حجج الضمانات التي أعطاها إلى قيادة "حزب الله" بالسير معه حتى النهاية.
هذا الحديث له أهمّيته في طرابلس، طالما إنّ الجمهور العريض بدأ يفقد الأمل بتنمية حقيقيّة، بعدما كبر أمله في وجود خمسة وزراء من طرابلس دفعة واحدة، بعدما تفاءلوا خيراً إن من ناحية إنصاف المنطقة إنمائيّا أو من خلال إشراك قسم كبير من فاعليّاتها في التعيينات الإدارية المقبلة. الأمر الذي أصبح من الصعوبة في مكان تحقيقه، خصوصا بعد حدث التمويل، ممّا يعني سقوط كلّ حسابات ميقاتي بالاتّكاء على السلطة لاستنهاض شعبيّة شماليّة واسعة كان قد فقدها نتيجة تمسّكه بهذه السلطة، ونتيجة ازدياد الحديث مؤخّرا عن تنازلات مهمّة طولب بها على صعيد التعيينات الإدارية على خلفية فرضه التمويل على فريق الثامن من آذار. هذا الأمر الذي أشار إليه في شكل لافت أيضا السيّد حسن نصرالله في كلمته الأخيرة في ذكرى عاشوراء، فخصّ الجنرال ميشال عون شخصيّا عندما "أكّد صوابيّة مطالبه". ويرى المراقبون في ذلك رسالة لرئيس الحكومة، فهو وإن مرّر التمويل على رغم معارضة "سيّد المقاومة"، فإنّ الأخير لن يسمح له في المقابل بتجاهل مطالب المعارضة من جهة، وخصوصا مطالب حليفه،"الجنرال عون"، المدافع الأوّل عن سلاحه المقدّس من جهة أخرى، بعدما طفح الكيل من "قرارات ميقاتي المتفرّدة والمفاجئة!"
هذا الجانب وجوانب أخرى، تجعل من طرابلس في المرحلة المقبلة قبلة العمل السياسيّ والإعلاميّ، طالما إنّها عاصمة السنّة وفق تعبير النائب محمد كبّارة، وهي على بعد 40 كيلومترا فقط عن مدينة حمص التي تشهد مواجهات ضارية مع النظام السوريّ وتسعى إلى إسقاطه. وفي هذا أيضا رمزيّة كبيرة طالما إنّ تسمية طرابلس قديما كانت طرابلس الشام.